تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
هامش
حول الرجوع إلى أصل واحد لا يختلفون عليه ، وهو كتاب اللَّه ، وما صحّ من السنّة . . . كما تتّسم تلك الفترة بأنّها أوضحت مبادئ الإسلام دون زيف في أُمور مبسّطة يسهل على الذي يتلقّاها أن يقتنع ويؤمن ، وهي الجديرة بالتعبير عن حقيقة الإسلام . ومن ثمّ كانت الشريعة في نظر الإمام « سمحة تسع العالم بأسره ، أمّا وأنّها ابتعدت عن هذه الصورة فقد ضاقت عن أهلها ، واضطرّوا إلى أن ينالوا غيرها ، وأن يلتمسوا حماية حقوقهم فيما لا يرتقي إليها ، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى سواها » . وفي هذا الإطار تتحدّد رؤية الإمام للعودة إلى المنبع في ثلاثة أُسس ، هي : أ - تحديد هوية هؤلاء السلف الصالحين الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن تلوه ، والجديرين بالأخذ عنهم في أنّهم الأئمّة والأعلام الأوائل الذين كان هدفهم العلم والاجتهاد في توضيح تعاليم الدين دون الدخول في منازعات ومجادلات عقيمة تخلق الفرقة والاضطراب بين النفوس . وقد استطاعوا بذلك إيجاد مناخ فكري حرّ أثرى الإسلام آنذاك . ويشير إلى بعضهم بقوله : « لا تجد اليوم كتاباً من كتب أبي الحسن الأشعري ، ولا أبي منصور الماتريدي ، ولا تكاد ترى مؤلّف من مؤلّفات أبي بكر الباقلاني ، أو أبي إسحاق الإسفراييني ، كما أنّ طالب العلم لا يجد كتباً في تفسير القرآن يثق بصحّتها ، مثل : تفسير الطبري ، وأبي مسلم الأصفهاني ، والقرطبي » . ويرى أنّ الصلة قد انقطعت بين المسلمين وبين سلفهم بسبب الفتور والجمود الذي نشأ عن أعمال ما يصفهم بأدعياء العلم والجهلاء وأصحاب البدع . ب - التدقيق بشأن النصوص المأثورة عند الأخذ بها ، ففيما يتعلّق بغير القرآن من النصوص فإنّه لا يوجد نصّ لا يقبل المناقشة بها والشكّ في صحّته ، ويصبح العقل قوّة كبرى تحكم في ذلك . وهذا لأنّ المسلم المعاصر على سبيل المثال لا يعرف أشياء محدّدة عن أحوال وظروف من نقل نصّاً غير القرآن . فهو في رسالة لأحد العلماء بالهند في عام 1904 - وكان وقتها مفتياً للديار المصرية - يقول : « ما قيمة سند لا أعرف بنفسي رجاله ، ولا أحوالهم ، ولا مكانهم من الثقة والضبط ؟ ! » ، وفي تفسيره لسورة البقرة يقول : « إنّ ثقة الناقل بمن ينقل عنه حالة خاصّة به ، لا يمكن لغيره أن يشعر بها حتّى يكون له مع المنقول عنه في الحال مثل ما للنقل معه ، فلابدّ أن يكون عارفاً بأحواله ، وأخلاقه ، ودخائل نفسه ، ونحو ذلك ممّا يطول شرحه ويحصّل الثقة للنفس بما -