في مذكّراته يذكر الشيخ عبده تلك الأيّام قائلًا :
« بعد أن تزوّجت بأربعين يوماً جاءني والدي ضحوة نهار وألزمني بالذهاب إلى طنطا لطلب العلم ، وبعد احتجاج وتمنّع وإباء لم أجد مندوحة عن إطاعة الأمر ، ووجدت فرساً أحضره فركبته ، واصطحبني والدي بأحد أقاربي . .
وكان قوي البنية شديد البأس ليشيّعني إلى المحطّة . كان اليوم شديد الحرّ والريح عاصفة ملتهبة تحصب الوجه بشبه الرمضاء . . فلم أستطع الاستمرار في السير ، فقلت لصاحبي : أمّا مداومة المسير فلا طاقة لي بها مع هذه الحرارة ولا بدّ من التعريج على قرية أنتظر فيها حتّى يخف الحرّ ، فأبى عليّ ذلك ، فتركته وأجريت الفرس هارباً من مشادّته ، وقلت : إنّي ذاهب إلى ( كنيسة أورين ) « 1 » ، بلدة غالب سكّانها من خؤولة أبي . وقد فرح بي شبّان القرية ؛ لأنّني كنت معروفاً بالفروسية واللعب بالسلاح ، وأملوا أن أُقيم معهم مدّة يلهو فيها كلّ منّا بصاحبه . . أدركني صاحبي وبقى معي إلى العصر وأرادني على السفر ، فقلت له : خذ الفرس وارجع وسأذهب صباح الغد ، وإن شئت قلت لوالدي : إنّني سافرت إلى طنطا . . فانصرف وأخبر ما أخبرته به ، وبقيت في هذه القرية خمسة عشر يوماً تحوّلت فيها حالتي وتبدّلت رغبتي » « 2 » .
مع الأُستاذ الأوّل ( الشيخ درويش )
وفي قرية ( كنيسة أورين ) كان هناك شيخ كبير اسمه محمّد خضر ، ولكنّه كان معروفاً بالدرويش ، وهو أحد أخوال والد محمّد ، سبقت له أسفار إلى صحراء
هامش
( 1 ) قرية من قرى شبراخيت .
( 2 ) في مناهج تجديد الفكر الإسلامي : 36 .