طلب منه عبده إبقاء الكتاب عنده ، ففعل ومضى يقرأه ، وكلّما مرّ بعبارة لم يفهمها وضع علامة عليها ليسأل عنها الشيخ فيما بعد .
وهكذا تجدّدت لدى هذا الشابّ الرغبة فيالمطالعة والفهم ، فكان للشيخ درويش الفضل الكبير في إنقاذه من التيه والجهل والهروب من رياض العلم والمعرفة ، فقرّ قراره أخيراً على العودة إلى المسجد الأحمدي لطلب العلم من جديد ، ولكنّه لم يقطع علاقته بتلك القرية .
يقول الإمام محمّد عبده واصفاً تلك الأيّام :
« كانت رسائل الشيخ تحتوي على شيء من معارف الصوفية ، وكثير من كلامهم في آداب النفس وترويضها على مكارم الأخلاق ، وتطهيرها من دنس الرذائل ، وتزهيدها في الباطل من مظاهر هذه الحياة الدنيا . ولم يأت عليّ اليوم الخامس إلّاوقد صار أبغض شيء إليّ ما كنت أحبّه من لعب ولهو وفخفخة وزهد ، وعاد أحبّ شيء إليّ ما كنت أبغضه من مطالعة وفهم ، وكرهت أُولئك الشبّان الذين كانوا يدعونني إلى ما كنت أحبّ وزهدونني في عشرة الشيخ رحمه الله ، فكنت لا أحتمل أن أرى واحداً منهم ، بل أفرّ من لقائهم جميعاً كما يفرّ السليم من الأجرب » « 1 » .
السنوسية والشاذلية
السنوسية
لم يتأثّر التاريخ الليبي المعاصر بالحضور التركي العثماني وتسلّطه على مقدّرات الأُمور كما تأثّر بالطريقة السنوسية التي أسّسها وروّج لها محمّد السنوسي هناك .
هامش
( 1 ) الإمام محمّد عبده لعبد الحليم الجندي : 10 - 11 .