هامش
لم يكن ردّ فعل لتخلّف المسلمين في الأحوال الاجتماعية والفكرية وحسب ، وإنّما شمل اتّجاهه التجديدي ردّ الفعل الإسلامي إزاء تحدّي الحضارة الغربية وسيادة العلم والفلسفات المختلفة القادمة من الغرب .
إزاء هذه المشكلة هناك من رفضوا الحوار بين الإسلام والحضارة الأُوربية ، واعتبروا ذلك منهجاً يجعل الإسلام دائماً في موقف الدفاع ؛ لأنّه يكون دائماً واقعاً تحت التأثير الثقافي القوي للحضارة الغربية في مرحلة يمرّ الاسلام فيها بالضعف . ويعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ محمّد عبده عندما رأى أنّ الإسلام لا يتعارض مع العلم ، وقام بالردّ على أفكار أرنست رينان ودارون فيما يتعلّق بالتطوّر المادّي ، تسبّب في إخضاع القرآن للنظريات العلمية ، وهي بطبيعتها متغيّرة . ويرون أيضاً أنّ الاتّجاه الذي سلكه عبده إنّما كان تعبيراً عن موقف مدرسة الأشعرية ، وهي مدرسة لم تستطع أن تخلّص المسلم من قيد الجبر إلى حدّ كبير . إنّ التجديد في رأي هؤلاء إنّما يأتي من داخل الإسلام وبالإسلام وبعيداً عن تأثير الحضارة الغربية بقيمها ومفاهيمها .
هذا الرأي يعبّر عن وجهة نظر تريد أن تقصر حركة التجديد على عملية الإحياء داخل الإسلام ذاته استناداً إلى مبدأ الاجتهاد ، ودون مؤثّرات خارجية ، وهي بالطبع نظرة تهمل أثر التطوّرات التاريخية وتغيّر الظروف الموضوعية التي يمرّ بها الإسلام والمسلمون .
ولكن نظرة محمّد عبده كانت مختلفة عن ذلك في جوانب كثيرة ، فإيمانه بالتطوّر والتغيّر كان يعكس تمييزه بين الإسلام على مستوى الأُصول الدينية التي لا تقبل التغيّر ، والإسلام وقد أصبح أُسلوباً في الحياة الاجتماعية . وعندما نظر إلى الحضارة الغربية كان مدركاً للتمييز بين الفلسفة القائمة على الفصل بين الدين والدنيا ، والتي لا تلتزم بالدين واعتباراته في الحياة الاجتماعية والثقافية ، وهو ما لم يقبله ، وبين الاتّجاه الذي يحترم العقل ، ويؤمن بقدرة الإنسان على توجيه حياته بما يحقّق مصالحه المتجدّدة ، وهذا الاتّجاه لا يرفض الدين ، وإنّما يمزج بين قدرات العقل والاعتبارات الدينية ، فعملية التطوّر متعدّدة الجوانب والمقوّمات ، كما أنّها نسبية ، أي : ليس لها نمط ثابت بعينه ، وهي في النهاية تفسح المجال لكلّ ما من شأنه التقليل من الاعتماد على التفسيرات الغيبية ، وترفض أن يكون الدين في ذاته مبرّراً لقيام مؤسّسات بعينها تتحكّم في مسار التطوّر .
لقد مال عبده إلى استلهام روح هذا الاتّجاه التطوّري ، وأخذ به في ربطه بين الإسلام -