تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
هامش
ذلك السؤال الكبير : لماذا تغلّب المجتمع غير المسلم على المجتمع المسلم ؟ أو : لماذا تحقّقت القوّة للأوّل وضعف الثاني ؟ ولم يكن ذلك السؤال مثاراً بالنسبة للمفكّرين الإسلاميّين وحسب ، وإنّما كان يعن أيضاً للمواطن العادي ، فلم يكن من السهل على هذا المواطن أن ينسى التفكير القائل : بأنّ القوّة هي للمجتمع الذي أُنزلت فيه تعاليم اللَّه كما جاءت في القرآن والسنّة . وبالرغم من أنّ المجتمعات الإسلامية كانت قد واجهت تحدّيات حضارية أُخرى ، إلّاأنّ تحدّي الحضارة الغربية لها - كما حدث في القرن التاسع عشر - كان أكثر قوّة وفي صورة مغايرة . فما حدث على عهد عمر بن الخطّاب على سبيل المثال حيث واجهت الحضارة الإسلامية تحدّي الحضارة الهلينية كان مختلفاً . فقد كان الإسلام آنذاك في الجانب الأقوى ، وعندما هدّد التتار صرح الدولة الإسلامية في القرن السابع الهجري وسقطت الخلافة في بغداد ، كان مصدر الخطر ينحصر في اعتبارات سياسية عسكرية تتعلّق بسطوة جنس قوم جدد وسيطرتهم على الحكم ، ورغم أنّه قد كان لظهورهم أثر سيّئ على الأوضاع الثقافية والحضارية من بعد ، إلّاأنّهم لم يدخلوا البلاد الإسلامية بحضارة جديدة تفوق الحضارة الإسلامية وتتحدّاها على المستوى الفكري ، بل على العكس تمّ استيعابهم في إطارها وتبنّيهم لها . وأمّا بالنسبة للعصر الحديث فإنّ الإسلام كان في الجانب الأضعف مادّياً وثقافياً أمام الحضارة الأُوربية ، وكان من نتائج ذلك أنّ الفكر الإسلامي أخذ يواجه الكثير من المشكلات على ضوء التفوّق الأُوربي . لقد كان ضغط القوّة الأُوربية على الشعوب الإسلامية في القرن التاسع عشر قوياً ، بحيث إنّه لم يعد بالإمكان حلّ أيّ قضية سياسية مهما بدت محدودة النطاق بدون أخذ المصالح الأُوربية في الاعتبار . وإذا كان الإمام لم يعبّر صراحة عن هذا العنصر ، وهو إدراك أنّ مسار التطوّر لم يعد في صالح المجتمعات الإسلامية ، وأنّه لإعادة القوّة لهذه المجتمعات لابدّ من إحداث ثورة فكرية في المفاهيم الإسلامية ؛ لأنّ التحدّي الذي تواجهه هذه المجتمعات في القرن التاسع عشر يختلف إلى حدّ كبير عمّا واجهته من قبل ، فقد كانت كتابات الإمام تكشف بشكل غير مباشر عن عمق إحساسه بضرورة التغيير . فهو ينتقد أعمال الفقهاء بقوله : « العامّي الذي يحتاج إلى الكسب والعمل لا سعة عنده لصرف سنين طويلة في تعلّم أحكام الطهارة وسائر العبادات في الأزهر من هذه الكتب -
الشيخ محمد عبده — صفحة 153 | محمد پور صباغ / مهدي أحمدي