هامش
يقول الإمام : « ظهر بين المسلمين أقوام بلباس الدين ، وأبدعوا فيه ، وخلطوا بأُصوله ما ليس منها ، فانتشرت فيهم قواعد الجبر ، وضربت في الأذهان حتّى اخترقتها ، وامتزجت بالنفوس حتّى أمسكت بعنانها عن الأعمال . هذا إلى ما أدخله الزنادقة فيما بين القرن الثالث والرابع ، وما أحدثه السوفسطائيّون الذين أنكروا مظاهر الوجود وعدّوها خيالات تبدو للنظر حقائق ، وما وضعه كذبة النقل من الأحاديث ، ينسبونها إلى صاحب الشرع صلى الله عليه وآله وسلم .
وممّا ترتّب على اشتداد الخلاف بين الفرق الإسلامية أنّ المسلمين « لم يستطيعوا فهم الشريعة ، وبالتالي صعب عليهم العمل بأُصولها . وكانت النتيجة أن حلّ الجمود بها ، وتمزّق نظام الأُمّة ، واتّجه المسلمون إلى مصادر أُخرى يلتمسون فيها حماية حقوقهم » .
وكان هناك إلى جانب تعدّد الفرق عامل آخر يتعلّق بإغلاق باب الاجتهاد ، وجمود الفقهاء عندما أخذوه من المدارس الفقهية الأربع دون تغيير أو تبديل . وكان من يخرج عن هذا يلقى الرفض الشديد من جانب الشيوخ الجامدين .
ولقد ضرب الإمام في إحدى كتاباته أمثلة على ذلك من العصر الذي عاش فيه ، منها : « أنّ مفكّراً عربياً كتب مقالًا في الاجتهاد والتقليد ، وذهب فيه إلى ما ذهب إليه أئمّة المسلمين كافّة ، ومقالًا بيّن فيه رأيه في مذهب الصوفية ، فقال : إنّه ليس ممّا انتفع به الإسلام . ولمّا طبع مقاله بمصر هاج عليه الشيوخ الجامدون ، واتّهموه بالخروج عن الدين ! » وضرب مثلًا آخر : « بأنّ الشيخ السنوسي كتب كتاباً في أُصول الفقه ، زاد فيه بعض مسائل على أُصول المالكية ، فلمّا علم بذلك أحد المشايخ المالكية - وكان من كبار علماء الأزهر - حمل حربة وطلب الشيخ السنوسي ؛ ليطعنه بها ؛ لأنّه خرق حرمة الدين ! » .
وترتّب على غلق باب الاجتهاد أن ضعفت روح الابتكار واكتشاف الجديد من مظاهر التطوّر المادّي والفكري ، وعمّق من هذا الضعف استمرار الاعتقاد بأنّ المسلمين هم أقوى الأُمم : « لقد أخطأ المسلم في فهم معنى التوكّل والقدر ، فمال إلى الكسل وقعد عن العمل ، ظنّ أنّ الخير ملازم لعنوان المسلم ، كما أخطأ في فهم معنى الطاعة لأُولي الأمر والانقياد لأوامرهم ، فألقى مقاليده إلى الحاكم ووكّل إليه التصرّف في شؤونه ، ثمّ أدبر عنه حتّى ظن أنّ الحكومة يمكنها القيام بشؤونه جميعاً من إدارة وسياسة » .
وأمّا المجموعة الأُخرى من الأسباب لتدهور أحوال المسلمين فتعود إلى طبيعة الحكّام والأوضاع السياسية ، وإن لم يكن تركيزه عليها بنفس الدرجة بالنسبة للمجموعة الأُولى ، -