هامش
فقال : « بأنّ الكثيرين من الحكّام المسلمين كانوا يجهلون تعاليم دينهم بشكل صحيح وما يفرضه من حقوق وواجبات ، وكانوا أعداءً للعلم ، واستعاروا من الإسلام ما هو براء منه ، وطلبوا من أتباعهم أن يقنعوا العامّة بأنّ لا نظر لهم في الشؤون العامّة ، وأنّ كلّ ما هو من أُمور الجماعة والدولة فهو ما فرض فيه النظر على الحكّام دون من عداهم » .
وألقى بمسؤولية وجود أنظمة الحكم الاستبدادية على الفقهاء ، وذلك لأنّهم كانوا في رأيه يجهلون السياسة ، حتّى أنّهم « إذا عرفوا أنّ الحكم كذا لا يعرفون كيف يجعلون الأُمراء والحكّام يلتزمون هذا الحكم وينفّذونه ، ولهذا ضاع الدين والسياسة ، احتقرهم الأُمراء والسلاطين في أنفسهم ، واستخدموهم لأغراضهم التي تؤيّد سلطتهم ونفوذهم ، وحملوهم على الفتوى بما يؤيّد رغائبهم ولا يوافق الشرع ، فدقّقوا النظر واستنبطوا لهم ما يطلبون ، وأفتوهم بما يشاؤون » .
ويستنتج ممّا سبق أنّ الإمام أراد إبعاد شبهة تخلّف المسلمين عن الدين الإسلامي ذاته ، وإنّما التخلّف الذي حاقّ بالأُمّة الإسلامية إنّما يعود إلى عدم الفهم الصحيح لهذا الدين وللسياسات التي اتّبعها الحكّام المسلمون ، والتي قامت لتحقيق أغراض ذاتية لهم أضفى الكثير من الفقهاء عليها صبغة الشرعية .
2 - الوعي بمسار التطوّر التاريخي :
يقصد بذلك أنّ الإمام اقتنع بضرورة إحداث تغيير في الفكر الديني الإسلامي لمواجهة متطلّبات العصر . . واستند في هذا إلى اعتقاده الشديد بأنّ الإسلام في جوهره يدعو إلى التطوّر الاجتماعي ، كما أنّ هناك من التغيّرات الماديّة التي تحدّث فعلًا في المجتمع نتيجة الاحتكاك بالعالم الغربي والتي على عقل المسلم أن يفهمها ويتقبّلها ، أي : أنّه أدرك أنّ اتّجاه التغيّر الاجتماعي هو في صالح المجتمع غير الإسلامي ، وأنّه للحاق بما وصل إليه من تقدّم لابدّ من تقبّل الكثير من مظاهر المدنية الحديثة . بمعنى آخر : يمكن القول : إنّه إذا كان عبده قد اهتمّ بتقوية العقيدة أمام حملات التشكيك فيها ، فإنّه رأى أنّ قوّة الإسلام مرهونة بالإجابة على المشكلات الاجتماعية والثقافية التي يطرحها الواقع ، وبالتخلّص من الأفكار التي لم تعد تتلاءم أو تتمشّى مع الاتّجاهات الفكرية والاجتماعية المعاصرة .
لقد كان البحث عن أسباب تخلّف حياة المسلمين وسرّ تقدّم المجتمعات الأُوربية من القضايا الأساسية التي شغلت تفكير الإمام ، حيث واجه مثل أُستاذه الأفغاني « الأسد آبادي » -