تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
هامش
قلبه من رهبة وتفصم أمله عن رغبة ، فهي - مع ذلك - لا تأخذه عن كسبه ، ولا تحرمه من التمتّع به ، ولا توجب عليه تقشّف الزهادة ، ولا تجشّمه في ترك الملذّات ما فوق العادة » . وقد شغلت مشكلة المواءمة بين الإسلام ومتطلّبات العصر ذهن الإمام مثلما شغلت ذهن أُستاذه جمال الدين الأفغاني « الأسد آبادي » ، حيث كانت جانباً هامّاً من المشكلة العامّة التي واجهاها ، ألا وهي تخلّف المجتمعات الإسلامية أمام المجتمعات الأُوربية ، واقتنعا بأنّ الحلّ هو في إعادة فهم الأُصول الإسلاميّة التي هي في حقيقتها مجموعة العقائد التي تتّفق مع متطلّبات العقل البشري ، كما أنّ الشريعة ما هي إلّاالتطبيق العملي لهذه الأُسس على الأحوال الاجتماعية المتغيّرة ، بمعنى آخر : يتطلّب الأمر إعادة تفسير النصوص الدينية بما يساعد على حلّ المشكلات الاجتماعية للمسلمين واستيعاب الحضارة الغربية في مميّزاتها . وإذا كان الإمام قد أوضح أنّه لا خلاف بين دعوة الإسلام ومبادئ الحضارة الحديثة ، فإنّه لم يوافق على نقل كلّ هذه المبادئ والمظاهر ، وذلك لأنّه يستحيل أخذ المدنية الأُوربية على سبيل المثال من منطلق التقليد ؛ إذ أنّ وراءها نظرة فكرية شاملة ونظاماً اجتماعياً يختلف عن أُسس المجتمع الإسلامي وتفكيره . ومن هذه النقطة يقول : « سيكون على الإسلام أن يهذّب المدنية الحديثة وينقّيها من أوضارها ، وستكون من أقوى أنصاره متى عرفته وعرفها أهله » . وربّما يقصد أنّ المسلمين سيأخذون من مدنية أُوربا وسائلها الماديّة التي تعينهم على تطوير حياتهم ، ولكنّهم لن يجعلوا هذه الوسائل تؤثّر على اعتقادهم الديني استناداً إلى قاعدة مؤدّاها أنّه على المسلمين أن يقيسوا كلّ نظام مستحدث عليهم على مبادئ الإسلام ونصوصه ومقاصده العامّة ، فما شهد له شاهد منها قبلوه ، وما اصطدم بأصل من أُصوله اصطداماً لا سبيل إلى رفعه رفضوه ، وما لم يكن له نظير في الفكر الإسلامي ولم يصطدم - مع ذلك - بشيء من أُصول الإسلام عمل فيه المسلمون اجتهادهم بما يحقّق مصلحتهم القائمة . وممّا سبق يمكن القول : إنّ نظرة الإمام للمواءمة بين الإسلام والعصر تتبلور حول ثلاث نقاط : الأولى : أنّه أراد إثبات أنّ الدين ليس عقبة أمام التطوّر والتغيّر المادّي ، ومن ثمّ فإنّ حرّية -