تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
هامش
ثمارها بعد فترة غير قصيرة ، وعمل كهذا ليس للعامّة دور مباشر فيه . وبناءً على الإطار السابق حدّد الإمام موقفه من القوى السياسية والحاكمة بعد عودته من المنفى ، مقتنعاً بأنّه ليس هناك من سبيل سياسي محضّ إلى النضج السياسي والاستقلال الحقيقي ، فإذا أدّى الحكم الدستوري إلى إعاقة الطريق أمام تحقيق غايات التربية فهو ضدّه ، وإذا كان الحكم الأُوتقراطي أو حتّى الأجنبي يساعد على تحقيق ذلك فيجب تحمّله . وظلّ عبده متمسّكاً بالهدف العامّ الذي يسعى لتحقيقه ومقتنعاً بجدواه لدرجة كبيرة ، حتّى أنّه انتقد أُستاذه الأفغاني « الأسد آبادي » وتوقّفت المراسلات بينهما . كما أنّ اتّصاله بكرومر والاستعانة بالإنجليز ، وكذا اتّصاله بالخديو عباس حلمي لتحقيق أهدافه ، كلّها أُمور لا تبدو متناقضة مع موقفه العامّ من القضايا الاجتماعية والفكرية في أواخر القرن التاسع عشر ، فهو - وقد أعلن ابتعاده عن الاشتغال بالسياسة العليا واقتناعه بالعمل الطويل للحصول على الاستقلال والنضج السياسي - كان من الطبيعي أن لا يقع الصدام بينه وبين القوى المذكورة . ومن ناحية أُخرى ظلّ موقفه الوطني الذي لا يتزعزع من أُسرة محمّد علي والإنجليز ثابتاً ، وما كان اتّصاله بالخديو عباس حلمي إلّالاعتقاده أنّه سيساعده على إصلاح شؤون الأزهر والأوقاف ، وسرعان ما انتهت بينهما مرحلة الودّ إلى الخلاف الشديد . وكان السبب وراء علاقته بالإنجليز اعتقاده بأنّهم يمكن أن يسهّلوا الطريق إمام إصلاح المؤسّسات الدينية والاجتماعية والتي لا تمسّ وضع الإنجليز في مصر . وفي ختام هذا الفصل يتّضح من عرض المراحل التي مرّت بها حياة الإمام والمؤثّرات المختلفة في فكره أنّه اتّجه منذ طفولته نحو دراسة الفكر الديني الإسلامي ، ولكن بعقلية تستند إلى الفهم والبحث عن حقائق الأشياء . كما أنّ عقليته كشيخ تخرّج في الأزهر لم تقصر مجالات اهتمامها على مجال الدين الإسلامي فحسب ، بل تطرّقت إلى مختلف الموضوعات التي كانت تهمّ المجتمع . وممّا أكسب الدور الذي لعبه على المستوى الاجتماعي والفكري والسياسي أهمية بالغة أنّ التحدّي الذي سبّبته مشكلة المواجهة مع الغرب مسّ إلى حدّ كبير الإسلام باعتباره الإطار الفكري لجوانب النظام الذي كان قائماً في المجتمع . لقد مثّل الإمام تيّاراً من التيّارات السياسية والفكرية التي ظهرت لتعبّر عن شكل أو آخر من أشكال الاستجابة لعملية التحوّل في مختلف جوانب المجتمع ، وهو التيّار الإسلامي -