هامش
وأفكاره عموماً ، وبعضها اتّهم الإمام بالانتهازية واستغلال المواقف ، وقال : بأنّه - أي : الإمام - تقرّب لرياض باشا وقت أن كانت السلطة في يده ، ثمّ انضمّ للعرابيّين بعدما اشتدّت قوّتهم وضعفت قوّة السلطة ، وصادق رجال الاحتلال بعد أن استقرّ وجودهم بمصر .
وليس في مواقف الإمام تناقض ما ، وليس فيها ما يسيء إلى دوره الوطني ، فالمجتمع المصري كان يمرّ في تلك الفترة بمرحلة تحوّل خطيرة ، وكانت مشكلات التحدّي الحضاري الغربي ومظاهر التدخّل الأجنبي تفرض على القوى الوطنية توحيد صفوفها رغم ما بينها من اختلافات اجتماعية أو فكرية . وقد كشفت مقالات الإمام وأعماله آنذاك عن تمسّكه بمصالح أُمّته ، ودعوته إلى التحرّر الفكري والسياسي ، وفي هذه الدعوة بالذات كان لمحمّد عبده دور رائد ؛ لأنّه طبّقها على أشدّ المجالات حسّاسية ، وهو الدين . ومن زاوية أُخرى كانت فترة عمله مع الثورة العرابية قليلة وقصيرة قصر فترة الثورة ذاتها ، وعاد بعدها إلى سيرته الأُولى المعتدلة ، والتي شبّ عليها في صدر حياته الفكرية .
وقد كان لفشل الثورة أثر كبير على نظرته السياسية العامّة ، فقد مسّ ذلك تكوينه النفسي وترك أثراً سيّئاً على فهمه للعمل السياسي بعد الثورة . وضاعف ذلك الفشل من اقتناعه بمنهجه وخطّته الاجتماعية والفكرية ، خاصّة وأنّ الوقع السيّئ لفشل الثورة عمّ معظم قادتها ، كما تأثّر عبده بعدم تعاطف بعضهم معه في فترة التحقيق الذي تعرّض له .
وعندما عاد إلى مصر عام 1889 كانت الظروف قد اختلفت اختلافاً شديداً عن تلك التي كانت موجودة قبل أن يغادرها في عام 1882 ، فأحداث الثورة العرابية والذهول الذي صاحبها كان لا يزال مخيّماً ، واشتدّت عوامل اليأس باستمرار وجود الاحتلال وخيبة الأمل في خروج الإنجليز من مصر حسبما ادّعوا وقت دخولهم ، وكان من الصعب عليه أن يباشر العمل السياسي مرّة أُخرى وبشكل مباشر في مثل ظروف كهذه ، بل كان عليه أن يبدي ولاءً بدرجة ما للنظام القائم في مصر .
وعلّق الأمل في الإصلاح على الفئة المستنيرة المثقّفة ، وفي هذا لم يكن يحتقر العامّة ، ولكنّه كان متّسقاً مع فكره العامّ ، فقد أعلن - كما سبق القول - أنّ هدفه هو الإصلاح الاجتماعي والتنوير الثقافي ، ولذلك فإنّ الأداة المنفّذة ليست العامّة ، وإنّما الفئات المثقّفة ، على أن تطرح هذه الفئات فكراً يعبّر مضمونه عن أهداف وغايات هؤلاء العامّة ، كما أنّ مهمّة الإعداد السياسي والتوعية الثقافية للأُمّة مهمّة شاقّة تقتضي الجهد المستمرّ ، وتجني -