تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
هامش
المقيّدة ، ثمّ ازداد عبده اقتراباً من الثورة ، فبدأ يدافع عن العامّة وعن الدستور ، ويرى أنّ مصر تأهّلت للحرّية السياسية والحياة النيابية ، وخفتت دعوته إلى التربية والتعليم . لقد اشترك عبده في الثورة العرابية ، فأعطاها كلّ قواه ، حتّى وصل البعض إلى القول : « إنّ معظم الآراء والتحليلات التي سادت في الثورة قد خرجت كلّها من معطف الأُستاذ الإمام » . ولقد برّر اشتراكه في الثورة بأنّه كان لحماية الدستور . وإذا كان هذا التبرير الذي ذكره لبلنت هو الأمر المباشر الذي أفصح عنه ، فإنّ هناك مبرّرات أُخرى ، منها مثلًا : أنّ بروز التدخّل الأجنبي بشكل قوي بعد المذكّرة الثانية فرض على كلّ القوى الوطنية المساهمة في الثورة ، كما أنّ مناخ الثورة كان من القوّة بحيث جذب كلّ القوى الوطنية . هذا بالإضافة إلى تصوّر الإمام بأنّ أهدافه الإصلاحية في التربية والتعليم قد اقترب تحقيقها على يد الثورة ، لملاءمة الجوّ مع وجود حياة سياسية أفضل ، وحيث يمكن للقوى الوطنية أن تلعب دوراً قوياً في تحريك الأوضاع السياسية والاجتماعية . ولهذا فإنّ التحليل الدقيق لاشتراك محمّد عبده في الثورة العرابية يكشف عن أمرين : أولهما : أنّه لم يعارض الاشتراك في السياسة بشكل مباشر من حيث المبدأ ، وإنّما كان صاحب مواقف وآراء سياسية محدّدة يكشف عنها في الظروف الملائمة لها ، ومن ثمّ فإنّ تركيز جهده على التربية والإصلاح لا يعني رفضه المطلق للعمل بالسياسة ، ويعدّ اشتراكه في الثورة بهذا الحدّ دليلًا ينفي ما ذهب إليه البعض من أنّه دخل الثورة غير مقتنع بطريقتها . وأمّا الأمر الثاني فهو : أنّ موقف الإمام داخل الثورة كان موقف المعتدل ، فمثلًا عندما اجتمع مجلس شورى النوّاب في 26 / ديسمبر / 1881 لمناقشة موادّ الدستور الجديد كان عبده في صفوف المعتدلين ، وعندما يمتدح نظارة شريف الثالثة التي خلفت نظارة رياض وسبقت نظارة محمود سامي البارودي في مقال له بتاريخ : 9 / نوفمبر / 1881 يصف رئيس النظارة وزملاءه بأنّهم « يعملون في تمهيد سبيلنا وإزالة العقبات منه ، متوسّلين إلى ذلك بالحكمة والاعتدال ، آخذين بأسباب التؤدة ومراعاة الأحوال » . وعندما فكّر العرابيّون في إرسال وفد إلى أُوربا لعرض قضيتهم على المستر جلادستون اقترحوا أن يذهب عبده وبعض التجّار ، وما ذلك إلّالاقتناعهم باعتداله وهدوئه . وعلى ضوء ما سبق يمكن إعادة النظر في بعض التقييمات لدور عبده في الثورة العرابية ، فبعضها وصف مواقفه بالتذبذب والتناقض ، وانتهى إلى أنّ ذلك يعكس اهتزاز في شخصيته -