تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
هامش
ورغم أوجه الاتّفاق بين عبده والأفغاني « الأسد آبادي » على ضرورة إصلاح أحوال المسلمين ، فإنّ الاختلاف بينهما في المنهج أو الأُسلوب كان واضحاً . وعلى وجه التبسيط يمكن القول : إنّ الأفغاني « الأسد آبادي » كان ثورياً ومهتمّاً بالعمل السياسي المباشر ، في حين كان عبده معتدلًا ويميل إلى اتّباع التدرّج في تحقيق الإصلاح ، ولم يكن توّاقاً إلى العمل السياسي المباشر ، وإنّما اعتقد أهمية التربية والتعليم ، واقتنع بأنّهما خير وسيلتين للإصلاح . وبينما كان الأفغاني « الأسد آبادي » شديد الثقة في العامّة ، كان عبده يعلّق الآمال على الفئة المثقّفة المستنيرة . ومن الضروري في سياق تحليل أثر العوامل السياسية على فكر عبده أن يناقش موقفه من الثورة العرابية . لقد ساهم بكتاباته السياسية قبل وقوع الثورة في إيقاظ الرأي العامّ ، وطرق أفكاراً سياسية كان من شأنها المساهمة في إيجاد الإطار الفكري الذي انطلقت منه الثورة العرابية ، فطالب في مقالاته بالحياة النيابية ، وكتب عن الوطنية ، كما كتب العديد من المقالات الاجتماعية التي أبرزت رغبة صادقة منه لتقوية ثقة المواطن المصري بالقيم التي تحضّ على التعاون والعمل الجماعي والتي تثير عند المواطن الاهتمام بالمسائل العامّة . ولكنّه ظلّ في هذه المقالات محافظاً على اتّجاهه الإصلاحي والتدرّجي ، ووضع أفكاره السياسية في إطار أعمّ ، هو التركيز على الإصلاحات الاجتماعية والتربوية ، وازداد تأكيده على تلك الجوانب مع اشتداد الأزمة وبروز دور الاتّجاه العسكري الذي كان يتزعّمه عرابي . ومع أنّه كان رافضاً لأُسلوب الثورة ، وهو ما وضح من تحذيره لعرابي من اللجوء إلى استخدام السلاح حتّى لا يقع الاحتلال ، فإنّه أصبح قطباً من أقطاب الثورة ، وذلك أنّ مناخ الثورة والانتصارات التي أحرزتها بعد مظاهرة عابدين في 9 / سبتمبر / 1881 جذبت الإمام وجعلته أقرب إلى الثورة منه إلى المصلحين . ففي شهر أبريل / 1881 كانت حركة العسكريّين بقيادة عرابي قد تعدّت نطاق الجيش ومطالب الضبّاط ، وازداد اعتقاد قادتها بأنّ تحقيق مطالب الأُمّة وأهدافها في الحكم الدستوري النيابي والتصدّي للنفوذ الأجنبي هو الضمان الأكيد والوحيد لانتصار الضبّاط المصريّين على الشراكسة المؤيّدين من الخديو ، ومنذ هذا التاريخ أخذ تيّار الإصلاح الذي يتزعّمه عبده يركّز على أهمية تكوين الرأي العامّ الذي يتولّى التعبير عن الحقوق السياسية قبل المطالبة بالدستور ومجلس النوّاب والحكومة -