تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
هامش
المشكلة بسمات مميّزة ، ومكّنته من استيعاب الثقافة الإسلامية في فترات ازدهارها وتخلّقها ، وجعلته يتحرّر من الارتباط بدرسة فكرية إسلامية بعينها . وقد تحقّق له ذلك بانفتاحه على الفكر الغربي ، وإعطائه للعقل والاجتهاد دوراً كبيراً في إدراك الحقائق الدينية والاجتماعية . وقد زوّدته الدراسات الاجتماعية والأخلاقية بروح الإصلاح والعمل على تغيير أوضاع المسلمين ، واصطبغ كلّ ذلك بلمحات من الصوفية أكسبته ثقة متزايدة في أقواله وأفعاله ، وبالذات فيما يتعلّق بجانب التفكير في الأُصول الدينية وفي مسألة العلاقة بين الدين والدنيا . ويمكن وضع ذلك التصوّر في إطار أوسع يتعلّق بالتطوّرات الثقافية التي مرّ بها المجتمع المصري خلال القرن التاسع عشر ، وبصفة أساسية منذ منتصفه تقريباً ، فالمجتمع المصري كان يواجه مشكلة تحوّل حضاري احتلّ التغيير الثقافي جانباً رئيسياً وحيوياً منها ، وكان السؤال الأساسي هو : كيف يحقّق المجتمع وحدته الحضارية مرّة أُخرى بعد أن أخذ يتعرّض بشدّة لغزو الحضارة الغربية ؟ وتتّضح استقلالية الإمام في تصوّر المشكلة من حيث إنّه رفض العودة إلى التراث القديم ، ودعا إلى الأخذ بما يتلاءم منه مع العصر . وفي حين لم يرفض المظاهر الثقافية الجديدة ركّز اهتمامه على كيفية القضاء على القلق الذي سيطر على عقل المسلم وعلى سلوكياته الاجتماعية من أقرب الطرق وأبسطها . وقد تصوّر عبده العمل السياسي من خلال ذلك الإطار ، أي : أنّه رأى السياسة من منظور ثقافي وأخلاقي ، فهو ليس بصاحب مذهب سياسي ، وإنّما نظر إلى الحركة السياسية كأداة لتحقيق التقدّم الثقافي والإصلاح الاجتماعي للأُمّة ، وهكذا تصوّر أنّ تطوّر الأُمّة لا يكون من خلال الصراع مع الحاكم بصفة أساسية ، وإنّما من خلال إعداد الأفراد المحكومين لتقبّل القيم السياسية وفهمها ، وتعريفهم بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات . وظلّ المحور الأساسي في فهم الإمام للسياسة واضحاً طوال حياته الفكرية ، وهو التنوير والإصلاح . . . ويمكن توضيح نظرة الإمام للسياسة من زاوية أُخرى ، فقد سبق القول في الفصل الأوّل : إنّ التحوّلات الاجتماعية والثقافية تركت أثرها على النظام السياسي القائم ، حيث عجز عن أقلمة نفسه مع تلك التحوّلات الاجتماعية ، ولأنّه كان من المنطقي أن تفرز كلّ أوضاع اقتصادية واجتماعية جديدة نظاماً سياسياً يتلاءم معها ، فقد انشغل الفكر المصري بالبحث عن شكل وطبيعة ذلك النظام ، وظهرت فيه تيّارات مختلفة ساهمت بأفكارها وآرائها -