تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
هامش
المجتمع ، وإذا توفّرت الرغبة في الانصياع لهذه الاعتبارات . وأثر ذلك على فكر الإمام واضح من أكثر من زاوية ، فهو ينادي بالتربية وخلق المواطن الصالح الذي يتعلّم أُسس الحضارة ويتهيّأ لتقبّل منجزات العصر ، هذا إلى جانب تأكيده على أنّ سمة الوطنية لا تطلق إلّاعلى من يقدّم ما يفيد مجتمعه ويخرجه من التخلّف إلى التقدّم ، كما دعا إلى الوحدة داخل الوطن . وأمّا كتاب مسكويه عن « تهذيب الأخلاق » فهو يتناول مسائل الخير والشرّ عند الإنسان ، وإمكانية تغيير أخلاقياته وفقاً لعامل التربية والتهذيب . ويرى مسكويه أنّ الإنسان يولد قابلًا للتحوّل تجاه الخير أو الشرّ ، ويعتبر الأخلاق إحدى أنواع الحكمة التي يستطيع أن يدبّر بها الإنسان دنياه ويضمن حياة أُخروية صالحة . والكتاب يركّز على دور المعرفة بمعناها الواسع في إصلاح الفرد والمجتمع ، ويرجع غالبية الفضائل إلى هذه المعرفة ، حتّى أنّ الحاكم الصالح هو الذي « يستطيع أن يسوق الناس نحو السعادة بالعلوم الفكرية إلى جانب توجّههم نحو إقامة الصناعات والأعمال الحسّية » . ولمّا كانت هذه الدراسة لا تتعرّض لأفكار الإمام في موضوعات الأخلاق والتهذيب ، فإنّ ما يمكن قوله في هذا الصدد : إنّه كان مقتنعاً بدور الأخلاق في بناء الأُمّة ونهضتها ، وإلّا لما كان قد أعطى لمسألة التربية والتهذيب جانباً كبيراً من تفكيره ، كما أنّه لم يتوقّف عن نشر المقالات التي تدعو أبناء المجتمع إلى التمسّك بالأخلاق والفضائل ، ولا يخفى أيضاً أنّ قراءته لكتاب كهذا زادته اقتناعاً بقوّة تأثير التعليم والوعي الثقافي في تقدّم الأُمّة . إلى جانب القراءات السابقة تعلّم الإمام اللغة الفرنسية في النصف الثاني من عمره ، فمكّنه ذلك من توسيع معارفه بالفكر الأُوربي في عصره ، وأصبحت مكتبته تحتوي على كتب متنوّعة لمفكّرين ، مثل : روسو ، وسبنسر ، ورينان ، وروايات لتولستوي ، كما كان على اتّصال ببعض رجال الفكر في أُوربا ، وخاصّة سبنسر الذي زاره بلندن . . . وهكذا فإنّ المصادر الثقافية التي أثّرت في تحديد إطار فكر الإمام هي مبادئ الصوفية ، والدراسات الفلسفية الإسلامية ، وعلوم الكلام ، والمنطق ، والدراسات الأخلاقية ، وبعض الكتابات الغربية عن الأخلاق والتربية . وإذا كانت الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها وعايشها جعلته يتصوّر أنّ مشكلة عصره هي مشكلة ثقافية وأخلاقية بدرجة أساسية ، فإنّ هذه المصادر الثقافية جعلته يصبغ هذه -
الشيخ محمد عبده — صفحة 129 | محمد پور صباغ / مهدي أحمدي