هامش
الفلسفية الإسلامية التقليدية ، وتعكس هذه الحاشية ابتعاده الحقيقي عن صبغة التصوّف ، واقترابه من الفلسفة القائمة على العلم والنظر العقلي .
وبعد تخرّجه من الأزهر نشر كتاب « البصائر البصيرية » ؛ لكي يوجّه عناية الأزهريّين إلى دراسة علم المنطق الذي يعدّ مدخلًا إلى سائر العلوم ، كما كتب مقالة في الأهرام / العدد : 36 / من السنة الأُولى ( 1887 ) ، يدعو فيها إلى الاهتمام بالعلوم العصرية وليس الاكتفاء فقط بعلوم الكلام ، وكان عنوانها : « العلوم الكلامية والدعوة إلى العلوم العصرية » .
وكان للنزعة العقلية والعملية التي تركتها تعاليم الأفغاني على فكر الإمام وقراءاته الفلسفية وفي علوم الكلام والمنطق أثر في اتّجاهه نحو الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والدعوة إلى انفتاح الفكر على الحضارات الأُخرى . فدرّس « مقدّمة ابن خلدون » ، وألقاها على تلاميذه في دار العلوم ، وقرأ الترجمة العربية لكتاب « التحفة الأدبية في تاريخ تمدّن المماليك الأُوربية » للمفكّر الفرنسي فرانسو جيزو ، وقرأ أيضاً كتاب « تهذيب الأخلاق » لمسكويه .
فأمّا « مقدّمة ابن خلدون » فهي إلى جانب تعرّضها لمسألة علاقة السلطة السياسية بالدين ، حيث تناقش مسائل الخلافة والملك والحكومة المستندة إلى الشريعة وما لا تستند إلى ذلك وتفضيلها للحكومة الشرعية ، ولأنّ « مقدّمة ابن خلدون » الاجتماعي ترك آثاره على رؤية الإمام لتطوّر المجتمعات ونشأتها وتأثير طبائع الشعوب ونفسياتها على تقدمها الحضارى ، ولأنّ « مقدّمة ابن خلدون » تعدّ من الدراسات الرائدة في علم الاجتماع ، فقد اكتسب منهج الإمام النظرة الموضوعية والتحليلية لأوضاع المجتمع . وقد طرح محمّد عبده أفكاراً تقترب كثيراً ممّا جاء في « مقدّمة ابن خلدون » ، فقد رأى أنّ الحكم الضروري لتحقيق المجتمع السياسي القوي هو نتيجة طبيعية لحالة التنافر والشقاق التي تدبّ بين أبناء المجتمع إذا ما تركوا يحقّقون أهدافهم بلا سلطان ينظّم ذلك ، كما طرح محمّد عبده فكرة القانون الذي رأى أنّه أداة الحكم في تحقيق النظام المستقرّ .
وإذا كان ابن خلدون قد فسّر تطوّر المجتمعات وفقاً لفكرة العصبية ، فإنّ فرانسو جيزو في كتابه عن تاريخ المدنية الأُوربية - والذي قرأه الإمام كما سبق القول - ناقش التطوّر الاجتماعي من زاوية مختلفة . فقد رأى جيزو أنّ التقدّم لن يتحقّق إلّابالشعب النشيط الذي يسعى بنفسه إلى تغيير أوضاعه الاجتماعية ، فالإنسان في متناولة أن يحقّق الرفاهية الاجتماعية وتطوير القدرات الفردية إذا احتكم إلى العقل ، وحقّق الوحدة والتضامن داخل -