هامش
أعمال العبادات والأحكام القضائية المختلفة .
وقد لعب ذلك الاتّجاه الصوفي في صورته النقية دوراً أساسياً في تدعيم ثقة المسلم العادي بدينه ، وعدم تعرّضه للشكوك التي قد تتسبّب إمّا عن التأمّل الفلسفي الواسع مثلما كان يفعل المعتزلة ، أو عن التزمّت الشكلي في التمسّك بالقواعد الدينية ، والذي كان يؤدّي إلى الجمود والتحجّر .
وقدّم له الشيخ درويش هذه الصورة النقية عن الصوفية ، حيث ذكر له : أنّ الصوفية تهتمّ بالعلاقة الروحية وبالعلاقة الدنيوية أيضاً ، ونفى له ما ذهب إليه المسلمون في فترات عديدة من التاريخ الإسلامي من أنّ الصوفية هي زهد عن الدنيا وانعزال عن البشر . كما ذكر له : أنّ الأخلاق الصوفية تكسب المسلم ثقة شديدة بالنفس في مواجهة سطوة الحكّام والملوك ؛ لأنّها تجعله يستخفّ بالاعتبارات الدنيوية ، وتهوّن على من يعتنقها رهبة هذه الاعتبارات والرغبة الشديدة فيها .
ولا توضّح مذكّرات الإمام وغالبية الدراسات عنه قراءاته المبكّرة عن الصوفية ، اللهمّ إلّارسائل للسيّد محمّد المدني كان يقرأها على الشيخ درويش ليشرح له بعض معانيها . ولكن الرغبة في تعلّم مبادئ الصوفية استمرّت معه وهو في سنواته الأُولى بالأزهر ، حتّى أنّه اتّجه إلى الاهتمام بما كان يتلقّاه من دروس الاتّجاه الصوفي الذي وجد إلى جانب الاتّجاه الشرعي المحافظ ، وغدا التصوّف لمدّة طويلة درسه المفضّل ، كما كان موضوع أوّل كتاب نشر له ، وعاش لفترة عيشة تقشّف مفرط ، قاطعاً العلائق مع الناس ، إلى أن أنقذه من هذا تدخّل الشيخ درويش مرّة أُخرى .
وكان لقاؤه ب « السيد جمال الدين » نقطة تحوّل في حياته الثقافية ، فعلى يده تعلّم أُصول الفلسفة ، وانتقل من الصوفية الخيالية إلى الفلسفة العملية ، واتّسع عقله للعلوم الفلسفية والمنطقية ، وكان أشدّ الطلّاب الملتقين حوله حماساً والمستمعين إلى الدروس التي كان يلقيها في منزله .
وظهرت بعد لقائه معه أوّل أعماله الفلسفية ، فكتب مقدّمة لرسالة « الواردات » ، وقام بنسخ كتاب « الإشارات » لابن سينا ، وعليه حواشي مقتبسة من مصادر فلسفية مختلفة . وتعتبر مقدّمته لرسالة « الواردات » بداية طيّبة لبحوثه في أُصول الدين والتصوّف ، كما أنّ حاشيته على « شرح الدواني للعقائد العضدية » تدلّ على المدى البعيد لوقوفه على جملة النظرات -