تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محمد عبده — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
هامش
والكتابة ، فنشأ على طريقة الفهم لا الترديد الأعمى ، إذا به يصطدم بالطريقة التعليمية في الجامع الأحمدي التي كانت تقدّم الدروس الدينية بأُسلوب معقّد ومبهم . وعندما ذهب إلى الأزهر اتّجه إلى طريقة الشيخ حسن الطويل والشيخ محمّد البسيوني ، وهم من أنصار الاتّجاه نحو التحرّر الفكري والاجتهاد فيما يتعلّق بالنظر للأحوال الدينية . وأمّا عن الأبعاد النفسية لشخصيته فقد تمتّع الإمام بقوّة الشخصية واستقلال الرأي والثقة بالنفس ، وقد تولّد له ذلك بفعل اعتزاره بعائلته وما شاهده في منزل والده من سلطة الوالد وقوّتها . وقد برزت قوّة شخصيته عندما كان يواجه الخديو عباس حلمي ويرفض تدخّله في شؤون الأزهر ، كما برزت بعد فشل الثورة العرابية ونفيه إلى الخارج ، فهو رغم اليأس الذي حاق به داخل السجن ، إلّاأنّه عبّر عن قوّة تصميمه على المضي في طريق الإصلاح واستعداده لمواصلة العمل على تطوير أحوال الأُمّة بدرجة أشدّ . وقد عمّق تحصيله العلمي من قوّة شخصيته واعتزازه بنفسه ، ويبدو ذلك من اصطدامه بعرابي حول قيادة الحركة الوطنية بعد ازدياد التدخّل الأجنبي ، فقد دافع الإمام بشدّة عن دور « المثقّفين » ، ورأى أنّ السلطة يجب أن تكون للفئة المستنيرة . ثانياً : العوامل الثقافيّة : يتّضح ممّا سبق أنّ محمّد عبده اتّجه منذ بداية حياته إلى الدراسات الدينية الإسلامية ، وقد ساعدته الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها على الانفتاح على أُصول تلك الدراسات بصفة أساسية . فقد حفظ القرآن منذ وقت مبكّر ، والتقى بخال والده الصوفي الشيخ درويش ، ثمّ انتقل إلى الأزهر - وهو أكبر المعاهد الإسلامية - ثمّ التقى بجمال الدين ، ذلك المفكّر الإسلامي الذي كان له فضل كبير عليه ، سواء في مجال الفكر الديني أو في المجالات السياسية . وقد أثّرت في فكره أيضاً تلك القراءات التي انفتح عليها عقله ، سواء كانت متّصلة بالفكر الديني أو بالفكر السياسي والاجتماعي عموماً . لقد تلقّى على يد الشيخ درويش مبادئ الصوفية ، وهي إحدى الاتّجاهات الإسلامية التي تركّز على تبسيط الأُصول الدينية ، وتعطي لعلاقة المسلم الروحية بخالقه الأهمية الكبرى ، وتدعو إلى تخليص المسلم من الاعتبارات الدنيوية التي تبعده عن الأُسس الأخلاقية التي دعت إليها التعاليم الإلهية . وفي هذا اختلف اتّجاه الصوفية عن اتّجاه الفقهاء ، فبينما عنوا هم بباطن الإسلام كما يتبيّن من المعاني السابق ذكرها ، فقد عني الفقهاء بظاهر الإسلام ، مثل -