هامش
ويمكن أن نكتشف ذلك من خلال اتّجاهه السياسي الذي كشف عنه بعد دخوله الحياة السياسية أثناء فترة الثورة العرابية وانتمائه الفكري والأبعاد النفسية لشخصيته .
فأمّا عن اتّجاهه السياسي فقد ظلّت في ذهنه أوضاع القرية المصرية وما تعانيه الطبقات الفقيرة من مشاكل ، فحدّد موقفه المنتقد لسيطرة الأغنياء ، كما ظلّت في ذهنه مظاهر القهر والاستبداد التي كانت تقع على عائلته ، فأدان حكم أُسرة محمّد علي ومظاهر الحكم الاستبدادي ، حتّى أنّه كتب في آخريات حياته مقالة يوم 7 / يونيو / 1902 م عبّر فيها عن سخطه على أُسرة محمّد علي كلّها ، وعن عدم إيمانه بالمشاريع التي أقامتها في مصر ، واستنكر الآثار الاجتماعية لهذه المشاريع . ففي هذه المقالة لم يذكر من أعمال محمّد علي إلّاسيّئاته ، فهو في رأيه « حاكم قضى على قوّة أبناء البلاد الأصليّين ، لم يدع منها رأساً يستتر فيه ضمير أنا ، كما أنّ عمليات التحديث في بناء الدولة إنّما كان الغرض منها تقوية سطوته على الأُمّة وإقرار الحكم الاستبدادي ، ولم يفكّر في إصلاح اللغة وتوعية الأُمّة ، وإنّما كان يكره كلّ ما يؤدّي إلى ذلك » .
ولا شكّ أنّ المكانة الاجتماعية التي حقّقها لنفسه بعد تخرّجه من الأزهر - حيث تقلّد مناصب رسمية كثيرة - قد نقلته إلى وضع اجتماعي أفضل ممّا لو عاش في بلدته وعمل بالزراعة كأُخوته ، ولكنّ المناخ السياسي والاجتماعي في مصر منذ منتصف القرن التاسع عشر اختلف إلى حدّ كبير عمّا سبقه . فإذا كانت تجربة محمّد علي قد انتهت بأن جعلت طليعة المثقّفين آنذاك أمثال رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك وغيرهم جزءاً من جهاز دولة محمّد علي ، فإنّ الوضع اختلف بالنسبة للمثقّفين بعد منتصف القرن التاسع عشر ، وذلك لأنّ ازدياد عمليات التحديث المادّي والثقافي ونموّ التيّار « الليبرالي » أعطى للمثقّفين قدراً كبيراً من الاستقلالية عن قوّة نظام الحكم ، استطاعت بمقتضاها أن تعبّر عن رفضها لمساوئ الحكم وتنادي بالتغيير ، وكان محمّد عبده واحداً من هؤلاء .
وأمّا من حيث تأثير الخلفية الاجتماعية على انتمائه الفكري فقد جعلته يتّجه إلى الفكر المستنير والإصلاحي ، خاصّة وأنّه كان ناقماً على الأساليب القديمة في التعليم وفي فهم الأُصول الدينية والتي اختبرها في الجامع الأحمدي وفي الأزهر . وقد أعطى محمّد عبده جانباً كبيراً من عمله لقضية التعليم داعياً إلى نظام تعليمي يبعث على الفكر الحرّ والأخذ بالعلوم الحديثة ، ويبتعد عن الجمود والأساليب العقيمة . فهو الذي تعلّم في منزله القراءة -