هامش
وكانت عائلته تملك أربعين فدّاناً وقت وقوع الأحداث العرابية 1883 م ، كما كانت تستأجر أراضي أُخرى من ملك غيرهم ، وكان أبوه يعمل بنفسه بالزراعة ويشرك أبنائه في العمل معه ، ما عدا محمّد عبده الذي أراد له أن يتفرّغ للعلم .
هذا عن درجة ثراء أُسرته ، أمّا عن قيمتها الاجتماعية وسلوكياتها فقد ذكرها الإمام في مذكّراته أيضاً بما يضفي سمة التفاخر والتمييز على شخصيتها ، فقال : « إنّها كانت كبيرة العدد ذائعة الصيت والشهرة بين عائلات القرية » ، ومن الصفات التي أعطاها لها : الفتوّة ، والكرم ، واحترام الأخلاق ، والفضيلة ، وشدّة الاهتمام بالنسب والأنساب ، وأنّها حافظت على هذه الصفات حتّى في الحالات التي كان وضعها المادّي يهتزّ بفعل عمليات التشريد والقمع التي سبق الإشارة إليها .
ويدفع العرض السابق إلى الاعتقاد بأنّ عائلة محمّد عبده كانت من أصحاب متوسّطي الملكيات الزراعية وذات هيبة اجتماعية ، سواء بفعل الأخلاق والقيم التي سارت عليها والتي كانت مصدراً للهيبة الاجتماعية في القرية عموماً ، أو بفعل كبر عددها وتشعّب أنسابها وعلاقاتها القوية بالعائلات الأُخرى . وربّما كان هذا ما يبرّر القمع والتشريد الذي عانت منه ، ذلك أنّ أحد الأُسس التي قام عليها الحكم منذ عهد محمّد علي هو إضعاف القوّة الشعبية وعدم السماح بقوى محلّية تعارضه أو تعوق مشروعاته .
وبفضل ما توفّر من ثراء متوسّط تلقّى الإمام تعليمه الأوّلي في ظروف أفضل من تلك التي كان ينشأ فيها معظم من يذهبون إلى الكتاتيب . فقد تعلّم القراءة والكتابة في بيت والده ، وحفظ جزءاً من القرآن به ، وأكمل الباقي على يد المحفّظ الذي كان يقرأ معه هو وحده القراءة بعد القراءة ، ودلالة هذا أنّ ثراء والده مكّنه من استخدام المعلّمين لتعليم ابنه في منزله . وحتّى عندما ذهب إلى الكتّاب لاستكمال حفظ القرآن كان له وضع متميّز ، حيث كان يخصّص له المحفّظ وقتاً معيّناً عن غيره من التلاميذ ، ولم يستخدم معه السوط والتعنيف مثلما كان يفعل معهم . وكان لهذا الثراء دوره الواضح أيضاً في إصرار والده على استكمال تعليمه وإرجاعه إلى دور العلم كلّما يئس منها وتبنّيه بالرعاية منذ دخوله الجامع الأحمدي بطنطا إلى تخرّجه من الأزهر . وفي هاتين المؤسّستين الدينيتين تعرّف الإمام على سوء الأحوال الاجتماعية لطلّاب العلم فيها وتدهور إدارتها وسياساتها .
وكان للخلفية الاجتماعية السابق عرضها تأثيرها القوي على موافقه السياسية والفكرية . -