هامش
الحكومية . وكانت له وجهات نظره التي رأى أنّ الأخذ بها من شأنه أن يجعل الخدمة المدنية خدمة عصرية ومفيدة للحكومة ، فهو ينتقد المحسوبية في التعيينات ، كما ينتقد كثرة القرارات الإدارية وتعدّدها بما يجعل من الصعب الاستمرار على سياسة محدّدة ، فيقول : « إنّ أوّل ما يجب أن يرسم في ذلك القانون أن لا توجد الوظيفة للشخص ، بل يوجد الشخص للوظيفة ، ويجب أيضاً أن يكون طالب الوظيفة عند احتياجها إليه لائقاً لها مستعدّاً لأداء واجباتها ، وأن يفهم القانون الذي يعمل بمقتضاه ، وفوق هذا وذاك يكون متحلّياً بالأخلاق السامية » .
ولا يقتصر الأمر على إصلاح مفهوم الوظيفة المدنية ، بل أيضاً إصلاح المجالس الإدارية ، وهي المتعلّقة بشؤون المجالس المحلّية ( مجالس المديريات ) . فهذا النوع من اللامركزية كان يثير الغموض في أذهان الناس ، حتّى أنّهم كانوا يتصوّرون أنّ الرؤوساء المتروك لهم شأن الأوضاع المحلّية ( الأمن ، الأشغال العامّة ) إنّما يملكون سلطة مطلقة عليهم ، وأنّه لا أمل في مقاضاتهم ؛ لأنّهم ممثّلوا الحكومة ، والحكومة لا يمكن مقاضاتها . هنا يأتي الإمام ليؤكّد أنّ الحكومة يمكن مقاضاتها عن طريق المجالس الإدارية المنشأة لذلك ، وأنّ الفرد يفعل ذلك إذا وقع عليه ضرر في أرضه أو ماله ينتج عن نشاط للحكومة ، وقال : « إنّ هذه المجالس الإدارية هي كالمحاكم ، لها قانونها الذي يميّزها عن المحاكم القضائية العادية » .
وقد دافع عن اتّجاه نظارة مصطفى رياض باشا ( سبتمبر 1879 ) بتسهيل الأعمال ورفع المظالم ، فامتدح قوانين إلغاء السخرة ، حيث كانت الحكومة ترهق الفلّاحين بمشاريع يعملون فيها بلا مقابل ( بناء الكباري ، وشقّ الطرق . . ) ، ويلاحظ أنّ كبار الملّاك كانوا يلجأون استناداً إلى مسلك الحكومة إلى مثل هذه الأساليب ، لتنفيذ بعض مشروعاتهم الخاصّة ، ومنها أيضاً إلغاء الكرباج ، وإبطال الحبس في تحصيل الحقوق ، وتخفيض الضرائب . أي : أنّ الإمام أراد من الحكومة أن تصلح مؤسّساتها بما يجعلها أكثر قدرة على تلبية احتياجات المواطنين المتجدّدة ، وأن تكون على مستوى العصر ، فالأفكار الحديثة في مجالات المجتمع المختلفة لن تتحقّق من فراغ ، وإنّما بوجود مؤسّسات عصرية تلائمها . وقد عكس اعتقاده القوي في دور الثقافة والتربية على الدور الذي يمكن أن تضع له مؤسّسات الحكومة أولوية عن غيره ، ولذلك أكّد على إصلاح مؤسّسات التعليم المختلفة ، ولكن نجاح الحكومة في هذا الدور مرهون أيضاً بوجود الفئة المثقّفة من المجتمع التي يمكنها أن تتولّى مراكز التأثير داخل تلك الحكومة ، ومن هنا كان حديثه عن الصفوة المستنيرة . ( الفكر السياسي للإمام محمّد عبده : 214 - 218 ) .