من شاء منهنّ واعتزال من شاء قال سبحانه :
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ
( الأحزاب / 51 ) على أنّ جهة الفعل مجهولة وأنّه هل كان واجبا أو مستحبّا .
استدل للقول الثالث بالدليل الأخير أيضا وقد علمت أنّ جهة الفعل مجهولة ولعلّ الوجوب - على فرض تسليمه - كان مشروطا بالابتداء .
وبهذا تبيّن أنّ جميع الأقوال خالية عن الدليل غير القول الثاني وذلك لغاية حفظ العدل بين النساء .
ومع ذلك كلّه فهنا كلام ربما يرجّح معه القول الأوّل وهو أنّ قوله سبحانه :
وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
ضابطة كلّية يختلف انطباقها على مواردها حسب اختلاف الأزمنة والأمكنة ، ولو صحّ أنّ لعنصر الزمان والمكان ، تأثيرا في الموضوع ، ثمّ في الحكم فهذا المورد من مواضعه ، ومن المعلوم أنّ الاكتفاء بما جاء في القول الثاني ، وأيّده الفقيه الاصفهاني بقوله من أنّه يكفي « أن لا يهجرها ولا يذرها كالمعلّقة لا هي ذات بعل ولا مطلّقة » لا يعدّ اليوم معاشرة بالمعروف .
وليس إطفاء نار الشهوة ، الحاجة الوحيدة للزوجة ، بل لها حاجات روحية ليست في الأهمية بأقلّ منها كالاستئناس بالزوج يقول سبحانه :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( الروم / 21 ) .
قال الطبرسي : أي لتطمئنّوا إليها وتأنسوا بها ويستأنس بعضكم ببعض ، وقال سبحانه :
وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
( الأعراف / 189 ) كلّ ذلك يعرب عن أنّه يجب أن تكون أواصر الحبّ والمودّة بين الزوجين آكد وأشدّ ، ممّا جاء في القول الثاني ، ومن مظاهره البيتوتة والمضاجعة إلّا إذا كان الزوج معذورا لمرض أو لمهنة أو لعوارض عائقة ، وبما أنّ الإجماع والروايات الماضية دالّة على عدم