الأوقات والأماكن .
وأمّا من ادّعى أنّ المراد بذلك إباحة وطء المرأة من جهة دبرها في قبلها بخلاف ما تكرهه اليهود فهو تخصيص لظاهر القرآن بغير دليل .
وأمّا الطعن على هذه الدلالة بأنّ الحرث لا يكون إلّا بحيث يكون النسل وقد سمّى اللّه تعالى النساء حرثاً فيجب أن يكون الوطء من حيث يكون النسل فليس بشيء لأنّ النساء وإن كنّ لنا حرثاً فقد أُبيح لنا وطؤهنّ بلا خلاف في غير موضع الحرث كالوطئ دون الفرج ولو كان ذكر الحرث يقتضي ما ذكروه لتنافي أن يقول لنا : « نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم من قبل أو دبر » . « 1 »
أقول : إنّ لفظة « أنّى » تكون ظرف مكان تارة بمعنى « أين » وتجزم فعلين ، نحو « أنّى تجلس أجلس » ، وبمعنى « من أين » أُخرى ، نحو (
يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا
) أي من أين ، وظرف زمان ثالثة بمعنى متى نحو : ( أنّى جئت ) يعني متى جئت واستفهامية غير زمانية رابعة بمعنى كيف نحو : (
أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
) ( البقرة / 259 ) أي كيف يحيي ، وقوله سبحانه : (
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
) ( مريم / 8 ) أي : « كيف يكون لي غلام » « 2 » .
وبذلك يظهر عدم دلالة الآية على الجواز لأنّ « أنّى » لا تخلو إمّا أن تكون بمعنى « أين » فعند ذلك دلّت على جواز الإتيان في جميع الأمكنة وأنّه مباح فيه من دون اختصاص بمكان خاص . ولو كانت بمعنى « من أين » فكما تحتمل أن يكون المراد الإتيان إلى الحرث من القبل والدبر تحتمل أن يكون المراد هو الإتيان إلى الفرج من قبلها أو من دبرها ، وعندئذ تكون الآية رادعة لما حكي عن اليهود « الذين كانوا يقولون إذا جامع المرأة في فرجها من ورائها جاء الولد أحول فأنزل اللّه : (
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
) من بين يديها أو من خلفها غير أن يأتيها إلّا
هامش
( 1 ) الانتصار : 1 / 126125 .
( 2 ) أقرب الموارد : 22 .