وقال ابن قدامة : من تزوّج امرأة حرم عليه كلّ أُمّ لها من نسب أو رضاع قريبة أو بعيدة بمجرّد العقد نصّ عليه أحمد ، وهو قول أكثر أهل العلم ، منهم ابن مسعود ، وابن عمر ، وجابر وعمران بن حصين ، وكثير من التابعين ، وبه يقول مالك والشافعي ، وحكي عن علي عليه السّلام أنّها لا تحرم إلّا بالدخول بابنتها كما لا تحرم ابنتها إلّا بالدخول .
لنا قول اللّه تعالى : (
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ
) ، والمعقود عليها من نسائه ، فتدخل أُمّها في عموم الآية ، قال ابن عباس : أبهِمُوا ما أبهم القرآن . أي عمِّموا حكمها في كلّ حال ولا تفصلوا بين المدخول بها وبين غيرها ، وروى عمر بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبيّ قال : « من تزوّج فطلّقها قبل أن دخل بها لا بأس أن يتزوّج ربيبته ولا يحلّ له أن يتزوّج أُمّها » . رواه أبو حفص باسناده ، وقال زيد : تحرم بالدخول أو بالموت ، لأنّه يقوم مقام الدخول . « 1 »
أقول : المشهور بين علمائنا هو حرمة الأُمّ على العاقد مطلقاً دخل بالبنت أو لا ، إلّا ما روي عن ابن أبي عقيل من الذهاب إلى عدم الحرمة إلّا بالدخول والآية في جانب الأُمّ مطلقة ، دون جانب البنت فانّ الحرمة فيها مقيّدة بالدخول بالأُمّ . وليس حرمة الأُمّ كذلك ، قال سبحانه : (
وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ
) ( النساء / 23 ) فابن أبي عقيل ، جعل قوله : (
مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ
) قيداً ، لكلتا الجملتين فكأنّه سبحانه قال : وأُمّهات نسائكم . . . من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ . . . وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنّ . ولكنّه مرفوض بوجوه :
1 - إنّ القيد الواقع بعد جملتين أو أكثر ، يعود إلى الجملة الأخيرة ولا يعود إلى الجميع إلّا بالقرينة الدالّة على خلاف ذلك وهي في المقام منتفية .
هامش
( 1 ) المغني : 7 / 473 .