أضف إلى ذلك انصراف أدلّة الرضاع عمّا درّ من دون ولادة ، لندرة وجوده ، إذا قلنا إنّ ندرة الوجود كندرة الاستعمال من أسباب الانصراف . فإذا ثبت الانصراف صار المقام مجرى للأُصول الموضوعية أو الحكمية القاضية بالحلّية .
اللبن عن الوطء بالشبهة
إذا حملت المرأة عن وطء بالشبهة ، فأرضعت حال الحمل أو بعد الولادة ، على الخلاف ، فهل هو ناشر للحرمة أو لا ؟ الظاهر هو الأوّل لأنّه ملحق بالوطء الصحيح فتشمله الإطلاقات . وقد دلّ الاستقراء على مشاركة ولد الشبهة ، غيره في كثير من الأحكام من الإرث ، ولزوم النفقة ، ولزوم المهر على الموطوءة ، والاعتداد .
ويمكن الاستدلال بما ورد عنهم عليهم السّلام من أنّ « لكلّ قوم نكاحاً » « 1 » في الأنكحة الرائجة بين المجوس وغيرهم . فإذا تلقّى الشارع هذه الأنكحة الفاسدة في شرعنا ، بالقبول في الظاهر ، ورتّب عليها أثر النكاح الصحيح واقعاً ، فيلزم تلقّي الوطء عن شبهة كالوطئ عن النكاح الصحيح . والجامع بينهما هو الشبهة ، غاية الأمر أنّ الشبهة في القسم الأوّل حكمية وفي الثاني موضوعية ، وهو بمجرّده لا يكون فارقاً بين الأمرين . فإذا كان إقدام الإنسان على عمل باعتقاد كونه عملًا صحيحاً ، مرضياً عند اللّه ، فلا ريب أنّ الشارع يتلقّاه صحيحاً ويرتّب عليه الأثر .
وبذلك يظهر ضعف ما نقل عن الحلّي من التردّد ، فتمسك بأصالة الحلّية تارة ، وبمنع وجود العموم في الأدلّة أُخرى ، وعدم الدليل على عموم المنزلة أي تنزيل المتولّد عن شبهة منزلة الولد الصحيح ثالثة . والكلّ ضعيف ، لبطلان الأصل بعد وجود الدليل ، كما تقدّم . وشمول إطلاق قوله تعالى : (
وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ
) للموطوءة عن شبهة لكونها أُمّاً رضاعية قطعاً . وثبوت التنزيل
هامش
( 1 ) الوسائل : 14 ، الباب 83 ، أبواب نكاح العبيد والإماء ، الحديث 2 .