الجواهر بأنّ ذلك حقّ له ، وربّما كان له غرض في عدم الحكم ولو فرض جهل المدّعي بتوقف حكم الحاكم على طلبه بيّنه له ، ونقل عن بعضهم : أنّ له الحكم وإن لم يسأله المدّعي لأنّ ذلك منصبه ووظيفته ومفروض المسألة عدم رفع يد المدّعي عن دعواه .
أظنّ أنّ حكم المسائل الثلاث من الوضوح بمكان ، وذلك ببيان أمرين :
الأوّل : إنّ الاحتجاج بالبيّنة ، أو دفع الدعوى باليمين من أدوات القضاء في الإسلام . ومن الأحكام الشرعية فقد أوجب سبحانه على القاضي أن يحكم بكذا وكذا ، وليس من الحقوق وإن كانت البيّنة لصالح المدّعي ، واليمين لصالح المنكر ، وليس كلّ ما تمّ لصالح الإنسان معدوداً من الحقوق ، فقد أحلّ الله البيع والطيّبات ، مع أنّ الحليّة فيهما ليست من الحقوق .
الثاني : إنّ القضاء أمر عرفي وقد كان رائجاً قبل الإسلام بين الناس ، وإيقاف القضاء بهذه الأُمور ربّما يعرقل أمر القضاء ويأخذ من وقت القاضي شيئاً كثيراً . نعم ليس للقاضي دعوة الناس إلى الترافع وإنهاء الخصومة ما لم يرفع المترافعان الأمر إليه ، فإذا رفعا ، يصير القاضي مخاطباً بالقضاء وإنهاء الخصومة ، وكلّما يعدّ مقدّمة لرفع المخاصمة يكون جائزاً له فيسأل عن بيّنته ، وعلى فرض وجودها يأمر بالإحضار ، وإذا حضر يسألها عن حقيقة الحال وإذا تمّت المقدّمات ، يحكم ، ويُنهي القضاء ويُرخص المترافعين وإن أرادا أو أراد أحدهما تحرير المحضر ، يكتب لهما محضراً . وجواز كلّ ذلك يعلم من الخطاب المتوجّه إلى القاضي بفصل الخصومة .
وما ذكر في مقالة القائل بالتوقّف من أنّه ربّما يكون للمدّعي غرض في عدم الحكم غير تامّ لأنّ القاضي أُمر بإنهاء الخصومة ، لا بتأمين غرض المدّعي ، على أنّه ربّما يتعلّق غرض المنكر بالحكم ، وفصلها وإن كان غرض الآخر إبقاءها بحالتها فلا وجه لتقديم أحد الغرضين على الآخر .
نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغراء — صفحة 415
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٤١٥