. . . . . . . . . .
شرح
وعلى ضوء ذلك يشكل التمسّك بإطلاق ما ورد من النهي عن ركوب القبة والكنيسة للقول بحرمة ركوبهما في الليل . وكأنّ السيرة المستمرة في تلك الأعصار قرينة حاليّة تمنع عن انعقاد الإطلاق فيما دلّ على المنع من ركوب القبّة ، هذا وللنظر فيما ذكر مجال :
أوّلا : تخصيص سير القوافل بالنهار ، وإقامتهم باللّيل خلاف ما يظهر من الذكر الحكيم حيث إنّه سبحانه يخبر بأنّ السائرين في الليل يهتدون بالنجوم في البرّ والبحر ، قال سبحانه :وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ« 1 » ، ولولا وجود السير في الليل في الجزيرة العربيّة وغيرها ، لما أخبر سبحانه عن استهداء القوم بالنجوم ليلا .
وثانيا : فلو صحّ ما ذكر فإنّما يصحّ في الطرق البعيدة والمسافات غير المعبّدة ، إذ كانت القوافل تسير في النهار وتقيم في الليل ، وأمّا في الطرق القصيرة والمسافات القريبة ، - كما هو الحال في أكثر المواقيت بالنسبة إلى الحرم المكي - فالليل والنهار فيها سواء بالنسبة إلى القوافل ، وقد مرّ في الجزء الثاني عند البحث عن المواقيت أنّ الفاصل المكاني بين الحرم وقرن المنازل ، هو 75 كيلومترا ، وبينه وبين يلملم 100 كيلومتر ، وبينه وبين الجحفة 87 كيلومترا ، وقريب منه بينه وبين ذات عرق ، فقلة المسافة من جانب ، وتردد القوافل بينها عبر السنة من جانب آخر صارا سببا لصيرورة الطريق معبّدا ، واضح المعالم ، بعيدا عن الضواري والسباع فيحلو السفر في الليل كالنهار .
وأمّا الروايات فهي محمولة على المسافات البعيدة ، والطرق الوعرة ، أو على أنّ تحديد المسافة ببياض يوم أوضح وأبين من تحدده بالليل .
هامش
( 1 ) . الأنعام : 97 .