أصحاب الرأي والاجتهاد :
ومهما تكن قيمة الأدلة التي يعرضها أصحاب الرأي للأخذ بالرأي في مجال الحكم والإفتاء . . . فإنّ مدرسة الرأي تميّزت منذ أول يوم ، بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بشيء من الجرأة في إعطاء الحكم والفتوى لم توجد في غير هذه المدرسة . ونماذج ذلك كثيرة فيما استحدثه الخليفة الثاني مما لم يكن للمسلمين به عهد أيام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأيام أبي بكر من تحريم المتعتين ، وجمع الناس على إقامة صلاة التراويح جماعة ، ومنع سهم المؤلّفة قلوبهم ، وغير ذلك من الموارد التي استحدثها الخليفة اعتمادا على رأيه « 1 » .
موقف أصحاب الرأي من السنّة :
كما أنّ مدرسة الرأي تميّزت منذ أول يوم بقلّة الاهتمام بالسنّة والاكتفاء بالرأي عن السنّة ، وهذه ظاهرة تتميّز بها هذه المدرسة ، ولا يصعب على الباحث أن يلمس ملامح منها خلال هذه الفترة التي نمت فيها مدرسة الرأي ، على أن يلحظ في التماس ذلك تدرج المرحلة التي قطعتها هذه المدرسة حتى بلغت ذروتها على يد أبي حنيفة وأتباعه .
وأول ما يلفت النظر قول الخليفة الثاني بمحضر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أيام مرضه الذي توفّي فيه - حينما طلب إليهم أن يحضروا له كتفا ودواة ليكتب لهم ما لا يضلوا من بعده أبدا - : إنّ النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب اللّه « 2 » .
هامش
( 1 ) يحسن لمن يريد تفصيلا أكثر ، أن يراجع ( الغدير ) للشيخ الأميني و ( النص والاجتهاد ) للسيد عبد الحسين شرف الدين .
( 2 ) راجع صحيح البخاري : ج 114 ، 5345 . ورواه أحمد في مسنده : 1 / 325 .