تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الحدود والتعزيرات — صفحة 572

مساهمون:

ص٥٧٢
وعلى هذا فالأقوى عندنا تخيير الحاكم بين الأمور المذكورة في الآية الشريفة إذا تحقّق موضوع المحاربة ، سواء أخذ المال أو جرح أو قتل شخصاً أم لا ، ولكن في صورة الجرح أو القتل يدخل المقام في باب القصاص أيضاً ، فللوليّ أو المجنيّ عليه أن يقتصّ من المحارب أو يعفو عنه ، وهذا غير مرتبط بباب المحاربة ، بل للحاكم أن يختار أحد الأمور الأربعة بعد ذلك . كما أنّ على المحارب مع أخذه الأموال أن يردّ عينها إلى صاحبها مع وجودها أو ردّ بدلها من المثل أو القيمة مع تلفها ، وذلك لأنّ الحدّ والغُرم حقّان يجبان لمستحقّين . ووافقنا في ذلك الشافعيّة ، وخالف أبو حنيفة حيث ذهب إلى أنّه لا يجمع بين الحدّ والضمان ، فإذا كانت الأموال موجودة حكم بوجوب ردّها إلى مالكها ، وإن كانت تالفة أو معدومة فلا غُرم على المحارب لو أقيم الحدّ عليه . « 1 » أجل ، لا بدّ للحاكم أن يلاحظ العقوبات المذكورة في الآية الشريفة شدّة وضعفاً مع الجناية الواقعة من المحاربين كبيرة وصغيرة ، فيختار الجزاء الشديد للجناية الكبيرة ، والخفيف للصغيرة ، وذلك لأنّ تناسب العقوبة مع الجرم المحقّق شيء يشهد به الوجدان ، وعدم ذلك شيء غير مأنوس للطبع والحكمة . فالإمام يختار ما يراه صلاحاً للمجتمع والمجرم بحسب جنايته وبحسب ما تقتضيه المصلحة والعدالة ، لا بما تشتهيه نفسه بلا ملاحظة التناسب بين الجزاء والجناية ومقتضيات الأمكنة والأحوال والأزمنة . وبذلك يمكن الجمع بين الأخبار الواردة في المقام مع ما فيها من الاختلاف ، وحملها على إرادة بيان العقوبة المناسبة مع الجناية المحقّقة ومراعاة المرجّحات لأفراد التخيير المختلفة زماناً ومكاناً وحالًا . وقد سبقنا لنحو هذا الجمع العلّامة رحمه الله في المختلف في مقام
هامش
( 1 ) - راجع : المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 319 و 320 - الفقه الإسلاميّ وأدلّته ، ج 6 ، ص 140 - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، ص 656 ، الرقم 646 .