فاستاقوا إبل الصدقة فبعث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الحرّة حتّى ماتوا . قال أنس : فأنزل اللَّه تعالى في ذلك :
« إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ »
الآية ، أخرجه أبو داود والنسائيّ ، ولأنّ محاربة اللَّه ورسوله إنّما تكون من الكفّار لا من المسلمين . ولنا : قول اللَّه تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ »
والكفّار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها ، ويسقط عنهم القتل والقطع في كلّ حال ، والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ »
« 1 » . » « 2 »
وقال المفسّر السيّد الطباطبائيّ رحمه الله : « محاربة اللَّه وإن كانت بعد استحالة معناها الحقيقيّ وتعيّن إرادة المعنى المجازيّ منها ، ذات معنىً وسيع يصدق على مخالفة كلّ حكم من الأحكام الشرعيّة وكلّ ظلم وإسراف ، لكن ضمّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليه يهدي إلى أنّ المراد بها بعض ما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيه دخل ، فيكون كالمتعيّن أن يراد بها ما يرجع إلى إبطال أثر ما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم عليه ولاية من جانب اللَّه سبحانه ، كمحاربة الكفّار مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإخلال قطّاع الطريق بالأمن العامّ الذي بسطه بولايته على الأرض . وتعقّب الجملة بقوله :
« وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً »
يشخّص المعنى المراد ، وهو الإفساد في الأرض بالإخلال بالأمن وقطع الطريق دون مطلق المحاربة مع المسلمين . على أنّ الضرورة قاضية بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يعامل المحاربين من الكفّار بعد الظهور عليهم والظفر بهم هذه المعاملة من القتل والصلب والمثلة والنفي . على أنّ الاستثناء في الآية التالية قرينة على كون المراد بالمحاربة هو الإفساد المذكور ، فإنّه ظاهر في أنّ التوبة إنّما هي من المحاربة دون الشرك ونحوه . فالمراد بالمحاربة والإفساد على ما هو الظاهر هو الإخلال بالأمن
هامش
( 1 ) - البقرة ( 2 ) : 278 و 279 .
( 2 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 302 و 303 - وراجع في هذا المجال : التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، ص 639 - الفقه الإسلاميّ وأدلّته ، ج 6 ، ص 129 .