وقال ابن إدريس رحمه الله : « ولا خلاف بين الفقهاء أنّ المراد بهذه الآية قطّاع الطريق .
وعندنا كلّ من شهّر السلاح لإخافة الناس في برّ كان أو في بحر ، في العمران والأمصار ، أو في البراري والصحاري ، وعلى كلّ حال . » « 1 »
ولا يخفى أنّ المراد بالفقهاء في كلامهما هو علماء العامّة .
وقال مقداد بن عبد اللّه السيوريّ رحمه الله : « محاربة اللَّه ورسوله محاربة المسلمين ، جعل محاربتهم محاربة اللَّه ورسوله تعظيماً للفعل . وأصل الحرب السلب ، ومنه حَرَبَ الرجل ماله ، أي : سلبه ، فهو محروب وحريب . وعند الفقهاء كلّ من جرّد السلاح لإخافة الناس في برّ أو بحر ، ليلًا أو نهاراً ، ضعيفاً كان أو قويّاً ، من أهل الريبة كان أو لم يكن ، ذكراً كان أو أنثى ، فهو محارب ، ويدخل في ذلك قاطع الطريق والمكابر على المال أو البضع .
و « فساداً » منصوب ، صفة لمصدر محذوف ، أي : سعياً فساداً ، أو على الحال ، أي :
مفسدين ، أو على أنّه مفعول له . » « 2 »
وقال ابن رشد الأندلسيّ : « إنّ هذه الآية عند الجمهور هي في المحاربين . وقال بعض الناس : إنّها نزلت في النفر الذين ارتدّوا في زمان النبيّ عليه الصلاة والسلام . والصحيح أنّها في المحاربين ، لقوله تعالى :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ »
وليس عدم القدرة عليهم مشترطة في توبة الكفّار ، فبقي أنّها في المحاربين . » « 3 »
وقال ابن قدامة : « وهذه الآية في قول ابن عبّاس وكثير من العلماء نزلت في قطّاع الطريق من المسلمين ؛ وبه يقول مالك ، والشافعيّ ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . وحكي عن ابن عمر أنّه قال : نزلت هذه الآية في المرتدّين ، وحكي ذلك عن الحسن ، وعطاء ، وعبد الكريم ، لأنّ سبب نزولها قصّة العرنيّين ، وكانوا ارتدّوا عن الإسلام وقتلوا الرعاة
هامش
( 1 ) - كتاب السرائر ، ج 3 ، ص 505 .
( 2 ) - كنز العرفان في فقه القرآن ، ج 2 ، صص 351 و 352 .
( 3 ) - بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج 2 ، ص 454 .