القطع . فإن اختار المسروق منه الغرم ، لم يقطع السارق - أي : قبل وصول الأمر إلى الحاكم - وإن اختار القطع واستوفي منه ، لم يغرم السارق ، لأنّ الشارع سكت عن الغرم ، فلا يجب مع القطع شيء . قال تعالى :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا »
فاللَّه سبحانه جعل القطع كلّ الجزاء ، فلو أوجبنا الضمان لصار القطع بعض الجزاء ، فيكون نسخاً لنصّ القرآن . وقال عليه الصلاة والسلام : « إذا قطع السارق فلا غرم عليه . » وقال المالكيّة : إن كان السارق مؤسراً عند القطع ، وجب عليه القطع والغرم تغليظاً عليه ، وإن كان معسراً لم يتبع بقيمته ، ويجب القطع فقط ويسقط الغرم تخفيفاً عنه بسبب عذره بالفاقة والحاجة . وقال الشافعيّة والحنابلة : يجتمع قطع وضمان ، فيردّ ما سرق لمالكه ، وإن تلف فيردّ بدله ، فإذا تلف المسروق في يد السارق ضمن بدله بردّ مثله إن كان مثليّاً وقيمته إن كان قيميّاً ، سواء أكان مؤسراً أو معسراً ، قطع أم لم يقطع ، فلا يمنع القطع وجوب الضمان ، لاختلاف سبب وجوب كلّ منهما ، فالضمان يجب لحقّ الآدميّ ، والقطع يجب لحقّ اللَّه تعالى ، فلا يمنع أحدهما الآخر ، كالدية والكفّارة ، والجزاء والقيمة في قتل الصيد الحرميّ المملوك . ويلاحظ أنّ منشأ الخلاف بين الحنفيّة وغيرهم هو قاعدة تملّك المضمون عند الحنفيّة ، وهي أنّ المضمونات تملك بالضمان ، ويستند الملك فيها إلى وقت وجوب الضمان . فلا يجتمع عندهم القطع والضمان ، لأنّه لو ضمن لملك المسروق واستند ملكه إلى وقت الأخذ ، فيحصل القطع في ملك نفسه ، وهو لا يجوز . وقال الشافعيّ وغيره :
لا تملك المضمونات بالضمان ، فيجتمع القطع والضمان لتعدّد السبب ، وعدم إسناد الضمان إلى وقت الأخذ . والراجح الواضح هو قول الشافعيّة والحنابلة ، لاختلاف سبب كلّ من الضمان والقطع ، ولضعف الحديث الذي استند إليه الحنفيّة . » « 1 »
هامش
( 1 ) - الفقه الإسلاميّ وأدلّته ، ج 6 ، صص 95 و 96 - وراجع في المسألة : المبسوط ، ج 9 ، صص 156 - 159 - بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، ج 2 ، ص 452 - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، صص 618 - 621 ، الرقم 621 - الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، صص 200 و 201 - الأحكام السلطانيّة ، ج 1 ، ص 268 ؛ وأيضاً : ج 2 ، صص 227 و 228 .