على هذه المواضع كلّها وأمر اللَّه تعالى بقطع يد السارق ولم ينضمّ إلى ذلك بيان مقطوع عليه في موضع القطع ، وجب الاقتصار على أقلّ ما يتناوله الاسم ، لأنّ القطع والإتلاف محظور عقلًا ، فإذا أمر اللَّه تعالى به ولا بيان ، وجب الاقتصار على أقلّ ما يتناوله الاسم ، وأقلّ ما يتناوله الاسم ممّا وقع الخلاف فيه هو ما ذهبت الإماميّة إليه . فإن قيل : هذا يقتضي أن يقتصر على قطع أطراف الأصابع ، ولا يوجب أن يقطع من أصولها ، قلنا : الظاهر يقتضي ذلك ، والإجماع منع منه . فإن احتجّ المخالف بما يروونه من أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قطع من الكوع ، قلنا : هذا [ خبر واحد ] ما ثبت على وجه يوجب اليقين ، وإنّما هو من أخبار الآحاد ، ويعارضه ما رويناه ممّا يتضمّن خلاف ذلك ، وقد روى الناس كلّهم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قطع من الموضع الذي ذكرناه ، ولم نعرف له مخالفاً في الحال ولا منازعاً له . » « 1 »
وقال الشيخ الطوسيّ رحمه الله : « موضع القطع في اليد من أصول الأصابع دون الكفّ ، ويترك له الإبهام ، ومن الرجل عند معقد الشراك « 2 » من عند الناتئ « 3 » على ظهر القدم ، يترك له ما يمشي عليه ، وهو المرويّ عن عليّ عليه السلام وجماعة من السلف . وقال جميع الفقهاء - أبو حنيفة وأصحابه ، ومالك ، والشافعيّ - أنّ القطع في اليد من الكوع - وهو المفصل الذي بين الكفّ والذراع - وكذلك تقطع الرجل من المفصل بين الساق والقدم . وقالت الخوارج :
يقطع من المنكب ، لأنّ اسم اليد يقع على هذا . دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم ؛ وأيضاً قوله تعالى :
« فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ »
، ومعلوم أنّهم يكتبون بأصابعهم دون الساعد والكفّ ؛ وأيضاً ما قلناه مجمع على وجوب قطعه ، وما قالوه ليس عليه دليل . » « 4 »
ويدلّ على ثبوت قطع اليد في الجملة من الكتاب ، قوله تعالى :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
هامش
( 1 ) - الانتصار ، صص 528 و 529 ، مسألة 293 .
( 2 ) - الشراك : أحد سيور النعل التي تكون على وجهها .
( 3 ) - الناتئ : كلّ شيء مرتفع ، ويجوز فيه التخفيف فيقال : الناتي .
( 4 ) - كتاب الخلاف ، ج 5 ، صص 437 و 438 ، مسألة 31 .