مضطرّ . » « 1 »
أقول : هذه هي الروايات الواردة في المسألة ، وأكثرها غير معتبرة سنداً . والمعتبرة منها - وهي الرواية الأولى - وإن كانت تشمل سرقة غير الطعام أيضاً ، إلّا أنّ الأصحاب قيّدوها بالرواية الرابعة ، وذلك لكون العمل بمضمونها مشهوراً بين الأصحاب ولا رادّ له ، كما في المسالك والروضة « 2 » ، بل عليه الاتّفاق على الظاهر كما في الرياض « 3 » .
وأمّا شمول تلك النصوص والفتاوى للسارق الغنيّ غير المضطرّ ، أعني : من يجد ما يشتريه وما يشتري به ، فهو بعيد ، بل خلاف الاعتبار . نعم ، لا ضير في دخول المشتبه حاله من ناحية الاضطرار وعدمه فيها ، وذلك لأنّ سنين المجاعة والقحط مظنّة الاضطرار الموجب للسرقة ، وهي تثير الشبهة الدارئة للحدّ ، وهذا بخلاف السرقة في سنين غير المجاعة ، حيث إنّه لا بدّ للسارق أن يثبت لدى الحاكم الاضطرار حتّى ينفى عنه الحدّ .
أجل ، إنّ ثبوت حالة الاضطرار الموجب للسرقة لدى الحاكم بالبيّنة أو غيرها - سواء كانت السرقة في عام المجاعة أم في غيرها - ينفي الحدّ عن السارق ولو في سرقة غير المأكول ، وذلك لإطلاق أدلّته ، مثل حديث الرفع وغيره . وقد بحثنا مفصّلًا عن مسألة الاضطرار إلى ارتكاب المحرّمات وسقوط الحدّ عن المضطرّ في مبحث اشتراط الاختيار من مباحث حدّ الزنا . « 4 »
وأمّا نظريّة فقهاء العامّة ،
فقال ابن قدامة الكبير : « قال أحمد : لا قطع في المجاعة ، يعني :
إنّ المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه ، لأنّه كالمضطرّ . وروى الجوزجاني عن عمر
هامش
( 1 ) - المبسوط للسرخسيّ ، ج 9 ، ص 140 .
( 2 ) - راجع : مسالك الأفهام ، ج 14 ، ص 501 - الروضة البهيّة ، ج 9 ، ص 237 .
( 3 ) - راجع : رياض المسائل ، ج 16 ، ص 111 .
( 4 ) - راجع : الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، صص 172 - 177 .