أن تخيّل الحاكم أنّ عليه مائة جلدة حدّ الزاني والحال أنّه كان شارب الخمر ، ولكن كان الحدّاد عالماً بذلك ، فلم يتعرّض الماتن رحمه الله لحكمه ، وحكمه مثل ما مرّ في الصورة السابقة من التفصيل بين وجوب تمام الدية أو نصفها بحسب الموارد ، غير أنّ الضمان هنا على الحدّاد لا الحاكم .
وذكر العلّامة رحمه الله في التحرير أنّ على الحدّاد القصاص ، لأنّه مباشر للإتلاف « 1 » ، ولكن إطلاق كلامه محلّ إشكال ، ولذا استشكل عليه في المسالك بقوله : « هكذا أطلق في التحرير ، وينبغي تقييده بقصده القتل أو كون ذلك ممّا يقتل غالباً ، وإلّا لم يتّجه القصاص . » « 2 »
الصورة الثالثة : كون الحاكم والحدّاد كليهما عالمين بذلك
، وحكمه كالشقّ السابق ، لمباشرة الجلّاد للزيادة مع العلم بعدم جواز ذلك وكونه ظلماً ، وكون المباشر أقوى . « 3 »
الصورة الرابعة : كونهما جاهلين بذلك
، مثل كون الحاكم غافلًا أنّ عليه حدّ الشارب مثلًا فزعم أنّه حدّ الزنا ، ولم يعلم به الحدّاد أيضاً فضربه مائة جلدة ، أو تخيّل الحاكم أنّ الفعل وقع في الأزمنة الشريفة أو الأمكنة المقدّسة فغلّظ في العقوبة ثمّ تبيّن أنّه لم يكن كذلك ، فذهب الماتن والعلّامة رحمهما الله في القواعد والتحرير « 4 » إلى أنّ نصف ديته على بيت المال ، لأنّه من خطأ الحكّام ، وقد عرفت أنّ خطأهم على بيت المال .
وما ذكراه من أصل ثبوت الدية على بيت المال كلام حقّ كما يظهر من كلام جملة من قدماء الأصحاب أيضاً ؛ قال الشيخ رحمه الله في المبسوط : « فإن أمر الإمام الجلّاد أن يضرب ثمانين ، فقال : اضرب وأنا أعدّ ، فضربه والإمام يعدّ ، فغلط الإمام فزاد واحداً على ثمانين ،
هامش
( 1 ) - تحرير الأحكام ، ج 5 ، صص 347 و 348 ، الرقم 6829 .
( 2 ) - مسالك الأفهام ، المصدر السابق .
( 3 ) - راجع : كشف اللثام ، ج 2 ، ص 419 .
( 4 ) - راجع : المصادر السابقة من شرائع الإسلام وقواعد الأحكام وتحرير الأحكام .