والرأي بكون ديته على الحاكم في ماله الشخصيّ أيضاً غير صحيح ، وذلك لأنّه محسن عمل بوظيفته الشرعيّة ، ولا سبيل على المحسنين ، ولأنّه لو ألزم بذلك من ماله فيمكن أن لا يقبله أحد ، فيلزم تعطيل أمور المسلمين . وكذا الأمر في الحكم بكونه على عاقلة الحاكم .
فالحقّ حينئذٍ أن تجعل الدية على بيت المال ، لأنّه وضع لمصالح المسلمين .
وتدلّ على ما قلناه حسنة أبي مريم ، عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : « قضى أمير المؤمنين عليه السلام أنّ ما أخطأت به القضاة في دم أو قطع فعلى بيت مال المسلمين . » « 1 »
ونحوه ما رواه الصدوق بإسناده عن الأصبغ بن نباتة « 2 » إلّا أنّ إسناده إليه ضعيف .
ولا يخفى أنّ محلّ البحث هنا ليس في موارد تفريط الحاكم في الفحص عن الشهود ، بل مصبّ البحث في ما إذا تبيّن فسق الشهود بعد إجراء الحكم بسبب شهادة الشاهدين أو الشهود ، مع فرض فحص الحاكم عن أحوالهم وحصول الوثوق بعدالتهم .
فلا موقع للتفصيل في المسألة بما ذكره العلّامة رحمه الله في قوله : « والوجه أن نقول : إن فرّط الحاكم في البحث عن الشهود ، ضمن في ماله ، وإلّا كان في بيت المال ، لأنّه مقتول بالشرع وقد ظهر الخلل ، فيكون في بيت المال ، لأنّه من المصالح ، ولأنّه لولا ذلك لأدّى إلى ترك الحكم بالشهادة تحرّزاً من ضرر الدرك . » « 3 »
وأمّا ما نسب إلى أبي الصلاح الحلبيّ رحمه الله من كون الضمان الناشئ عن خطأ الحاكم في ماله ، فالظاهر من كلامه كونه في الموارد التي لا يعلم الحاكم وجه الحقّ فيها ومع ذلك يقضي فيها ، وإليك نصّ كلامه : « فإن ورد عليه ما لا يعلم وجه الحقّ فيه ، أوقفه إلى أن يصحّ
هامش
( 1 ) - نفس المصدر ، الباب 7 منها ، ح 1 ، ص 147 .
( 2 ) - نفس المصدر ، الباب 10 من أبواب آداب القاضي ، ح 1 ، ج 27 ، ص 226 .
( 3 ) - مختلف الشيعة ، ج 8 ، ص 546 ، مسألة 105 .