مضمونها عامّ يشمل البيّنة والتصدّي للجلد أيضاً ، إذ المورد لا يكون مخصّصاً .
ثمّ إنّا قد نقلنا في صدر البحث عن المفيد والطوسي وابن البرّاج رحمهم الله قولهم : إنّه لا ينبغي أن يحضر الجلد - كما في المقنعة - أو الحدّ - كما في النهاية والمهذّب - إلّا خيار الناس ، ومرادهم من ذلك أنّه لا ينبغي أن يحضر لإقامة الحدّ وجلد الزاني إلّا الخيار ، وحكمته أنّه لمّا كانت ثمرة إقامة الحدّ الردع عن المنكر والزجر ، فقبح عرفاً أن يؤاخذ على الشيء مَن هو مرتكب له وهو فاسق وعاصٍ ، إذ هو مستحقّ للتأديب ، فكيف ينهض لتأديب غيره . وأمّا حضورهم للاتّعاظ والانزجار فلا منع فيه ، وحينئذٍ فلا يرد على الشيخ الطوسي رحمه الله وأمثاله ما قد يقال بأنّهم ذكروا قبل ذلك : ينبغي للوالي أن يشعر الناس بالحضور ، ثمّ يجلد بمحضر منهم لينزجروا عن مواقعة مثله ، وإذا كان المراد الزجر فحضور الفسّاق أولى في الزجر والردع ، فلمَ ذكروا أنّه لا ينبغي حضورهم .
نعم ، لا ينبغي إقامة الحدّ في محضر جماعة يحضرون للشماتة ، أو للتفرّج واللعب ، كما هو عادة أوغاد الناس ، ولا سيّما إذا صارت الإقامة موجبة لوهن أحكام الشريعة والحدود الإلهيّة . بل ينبغي للوالي طرد هؤلاء الأدنياء والسفلة ، فقد ورد في الخبر : « أتي أمير المؤمنين عليه السلام وهو بالبصرة ، برجل يقام عليه الحدّ ، قال : فلمّا قربوا ، ونظر في وجوههم ، قال : فأقبل جماعة من الناس ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : يا قنبر ! انظر ما هذه الجماعة ؟ قال : رجل يقام عليه الحدّ . قال : فلمّا قربوا ونظر في وجوههم ، قال : لا مرحباً بوجوه لا ترى إلّا في كلّ سوء ، هؤلاء فضول الرجال ، أمطهم « 1 » عنّي يا قنبر . » « 2 »
قال المحدّث الكاشاني رحمه الله في شرح الحديث : « يقام عليه الحدّ : أي ليقام . وفي عبارة الراوي تكرار غير محمود ، ولعلّ قوله : « قال : فلمّا قربوا ونظر في وجوههم » أوّلًا من زيادة
هامش
( 1 ) - أماطه : أبعده ونحّاه .
( 2 ) - وسائل الشيعة ، الباب 22 من أبواب مقدّمات الحدود ، ح 1 ، ج 28 ، ص 45 .