ثمّ إنّه لا يسقط الجلد بالفرار مطلقاً ، سواء أكان ثبوت الجناية بالإقرار أم بالبيّنة ، وذلك لإطلاق أدلّة الجلد وعدم الدليل على السقوط ، ولا فرق في ذلك بين كون هربه قبل الجلد أم في أثناءه ، ويؤيّد ذلك بتصريح ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب ، عن جعفر بن محمّد ، عن عبد اللَّه ، عن محمّد بن عيسى بن عبد اللَّه ، عن أبيه ، قال :
« قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : الزاني يجلد فيهرب بعد أن أصابه بعض الحدّ ، أيجب عليه أن يخلّى عنه ولا يردّ كما يجب للمحصن إذا رجم ؟ قال : لا ، ولكن يردّ حتّى يضرب الحدّ كاملًا . قلت : فما فرق بينه وبين المحصن وهو حدّ من حدود اللَّه ؟ قال : المحصن هرب من القتل ولم يهرب إلّا إلى التوبة ، لأنّه عاين الموت بعينه ، وهذا إنّما يجلد فلا بدّ من أن يوفّي الحدّ ، لأنّه لا يقتل . » « 1 »
والحديث مجهول ب : « جعفر بن محمّد » . والمراد ب : « عبد اللَّه » ، هو عبد اللَّه بن محمّد بن عيسى الأشعري ، ويقال له : « بنان محمّد » ، ولم يرد فيه مدح ولا توثيق ، وهو أخو أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعريّ القميّ . ويروي هنا عبد اللَّه عن أبيه ، محمّد بن عيسى الأشعريّ .
وأمّا العامّة ، فذهب جملة من فقهاءهم - منهم عطاء ، ويحيى بن يعمر ، والزهري ، وحمّاد ، ومالك ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف - إلى أنّه إذا هرب المحدود وكان مقرّاً لم يتبع وكفّ عنه ، ولكن قال الحسن وسعيد بن جبير وابن أبي ليلى : يقام عليه الحدّ ولا يترك ، لأنّ ماعزاً هرب فقتلوه ولم يتركوه ، وروي أنّه قال : ردّوني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنّ قومي هم غرّوني من نفسي وأخبروني أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم غير قاتلي ، فلم ينزعوا عنه حتّى قتلوه ، ولو قبل رجوعه للزمتهم ديته .
وأمّا إذا ثبت الرجم بالبيّنة ففرّ ، فاتّفق فقهاءهم على إعادته ورجمه حتّى يموت . « 2 »
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة ، الباب 35 من أبواب حدّ الزنا ، ح 1 ، ج 28 ، ص 140 .
( 2 ) - راجع : المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 124 و 173 و 174 - المبسوط للسرخسي ، ج 9 ، ص 69 - التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، ص 445 - سقوط العقوبات في الفقه الإسلاميّ ، ج 2 ، ص 75 .