تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الحدود والتعزيرات — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
أجل ، هذا فيما إذا ثبت موجب الحدّ عليه في حال صحوه بأحد طرق إثبات الحدّ وحكم الحاكم بإقامة الحدّ عليه ثمّ جنّ - كما يفصح عن ذلك التعبير الوارد في بعض العبائر : « إذا وجب الحدّ على شخص ثمّ جنّ » « 1 » - وأمّا إذا ارتكب الزنا حال إفاقته لكن أقيمت عليه البيّنة في حال جنونه ، فهل يجوز للحاكم أن يحكم بإقامة الحدّ عليه وهل يقام عليه الحدّ في تلك الحال ؟ المسألة لا تزال محلّ إشكال عندي ، وذلك لعجز المتّهم عن الدفاع عن نفسه ، ولاستبعاد محاكمة المجنون في ارتكاز العقلاء ، ولحصول الشبهة في شمول صحيحة أبي عبيدة لمثل هذه الصورة . نعم ، لو ثبت عند الحاكم بطرق مألوفة عدم وجود أيّ شبهة رافعة للحدّ عنه ، فأمكن القول بإقامة الحدّ عليه ، ولكن دون ذلك خرط القتاد . وسيأتي في بحث الارتداد في مسألة عروض الجنون بعد الردّة ما ينفع المقام ، فانتظر . وأمّا العامّة فقد ذكروا أنّ الجنون اللاحق للجريمة إمّا أن يحدث قبل حكم الحاكم أو بعده ، وحكموا في الحالتين بما يلي : الجنون الطاري قبل الحكم : ذهبت الشافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا حدث الجنون قبل الحكم فإنّه لا يمنع المحاكمة ولا يوقفها ، وحجّتهم أنّ التكليف لا يشترط إلّا وقت ارتكاب الجريمة ، إذ أثر الجنون ينحصر في تعجيز المتّهم عن الدفاع عن نفسه ، والقاعدة أنّ العجز عن الدفاع لا يوقف المحاكمة ؛ فالأبكم ، ومن فقد النطق بعد ارتكاب الجريمة ، ومن لا يكاد يبيّن ، كلّ هؤلاء عاجزون عن الدفاع عن أنفسهم ، ولا يمنع عجزهم من محاكمتهم . وأمّا المالكيّة والحنفيّة ، فيرون أنّ الجنون قبل الحكم يمنع المحاكمة حتّى يزول الجنون ؛ إذ شرط العقوبة التكليف ، وأنّ هذا الشرط يجب توفّره وقت المحاكمة . الجنون الطاري بعد الحكم : يرى الشافعي وأحمد أنّ الجنون حينئذٍ لا يوقف تنفيذ
هامش
( 1 ) - راجع : مباني تكملة المنهاج ، ج 1 ، ص 216 ، مسألة 168 .