تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الحدود والتعزيرات — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
يختلف باختلاف المرض الذي يرجى شفاءه أو لا يرجى شفاءه . أمّا المريض الذي يرجى شفاءه ، فيرى مالك وأبو حنيفة والشافعي وبعض الفقهاء في مذهب أحمد ، أن لا يجلد حتّى يشفى من مرضه ، لأنّ إقامة الحدّ حال المرض قد تؤدّي إلى تلف المريض . وحجّتهم ما روي من حديث عليّ عليه السلام حين كلّف بجلد أمة لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم زنت ، فوجدها حديثة عهد بنفاس ، فخشى إن جلدها أن يقتلها ، فعاد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : « يا عليّ أفرغت ؟ » قال : « أتيتها ودمها يسيل » ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : « دعها حتّى يقطع عنها الدم ، ثمّ أقم عليها الحدّ » . ويرى بعض الفقهاء في مذهب أحمد أنّ الحدّ يقام ولا يؤخّر ، لأنّ الحدّ واجب ، فلا يؤخّر ما أوجبه اللَّه بغير حجّة . ويحتجّ هذا الفريق بأنّ عمر أقام الحدّ على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخّره ، وانتشر ذلك في الصحابة ، فلم ينكروه ، فكان إجماعاً . ويعتبر الفقهاء النفاس مرضاً ، بخلاف الحائض حيث إنّها بمنزلة الصحيحة في إقامة الحدّ عليها . وأمّا المريض الذي لا يرجى شفاءه ، فيرى أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنّه يقام عليه الحدّ في الحال ولا يؤخّر ، ولكنّهم يشترطون أن يقام الحدّ بسوط يؤمن معه التلف ، كالقضيب الصغير وشمراخ النخل ، فإن خيف عليه من ذلك جمع ضغث فيه مائة شمراخ ، فضرب به ضربة واحدة . وحجّتهم ما روي من أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بضرب رجل مرض حتّى ضَنِي ضربة واحدة بمائة شمراخ لأنّه زنى ، ولأنّ المريض الميئوس من شفاءه إمّا أن يترك لمرضه ، فلا ينفّذ عليه الحدّ ، أو ينفّذ عليه كاملًا فيفضي ذلك إلى موته ، فتعيّن التوسّط في الأمر وجلده جلدة واحدة بمائة شمراخ ، وليس ثمّة ما يمنع من أن تقوم الضربة الواحدة بمائة شمراخ مقابل المائة ضربة ، كما قال اللَّه تعالى :
« وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ »
، فهذا أولى من الترك أو قتل المريض بما لا يوجب القتل . ولكن مالك لا يأخذ بهذا الرأي ويرى ضرب المريض الذي لا يرجى شفاءه مائة