قال ابن قدامة الكبير في هذا المجال : « وجملته : أنّ ما يوجب الحدّ من الزنا ، والسرقة ، والقذف ، وشرب الخمر ، إذا تكرّر قبل إقامة الحدّ أجزأ حدّ واحد بغير خلاف علمناه . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم ؛ منهم عطاء ، والزهري ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو يوسف ، وهو مذهب الشافعي . وإن أقيم عليه الحدّ ثمّ حدثت منه جناية أخرى ، ففيها حدّها ، لا نعلم فيه خلافاً ، وحكاه ابن المنذر عمّن يحفظ عنه ، وقد سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمة تزني قبل أن تحصن ، قال : « إن زنت فاجلدوها ، ثمّ إن زنت فاجلدوها ، ثمّ إن زنت فاجلدوها » . ولأنّ تداخل الحدود إنّما يكون مع اجتماعها ، وهذا الحدّ الثاني وجب بعد سقوط الأوّل باستيفائه . وإن كانت الحدود من أجناس ، مثل الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، أقيمت كلّها إلّا أن يكون فيها قتل ، فإن كان فيها قتل اكتفي به ، لأنّه لا حاجة معه إلى الزجر بغيره . » « 1 »
ولو اقتضى الزنا المتكرّر حدوداً مختلفة ، كأن زنى بكراً ، ثمّ زنى محصناً قبل إقامة الحدّ عليه ، فقد ذهبت الحنفيّة ، والمالكيّة ، والشافعيّة ، والحنابلة - في رواية - إلى أنّه لا يجمع عليه الجلد والرجم ، وإنّما يجب عليه إقامة حدّ الرجم خاصّة ، لأنّه لا فائدة في الجلد مع وجوب قتله ورجمه ، حيث لا يحصل منه الانزجار . وفي رواية أخرى عن الحنابلة : أنّه يجب الجمع بين الجلد أوّلًا والرجم بعد ذلك تنفيذاً للحدّين حتّى يكون عبرة لغيره ، وحتّى نأخذ لكلّ فعل حدّه . « 2 »
هامش
( 1 ) - المغني ويليه الشرح الكبير ، ج 10 ، صص 197 و 198 - وراجع في هذا المجال : التشريع الجنائيّ الإسلاميّ ، ج 2 ، صص 442 - 444 .
( 2 ) - راجع : الفقه على المذاهب الأربعة ، ج 5 ، ص 97 .