وحاكما على الناس - : يتطابق مع ما تحكم به الفطرة ، ويقضي به العقل ، فإنّ الفطرة والعقل يقضيان بضرورة أن تكون السلطة للقوّة التي لا تحيد عن العدل .
وبما أنّ الرسل الإلهيين - وخاصّة سيّدهم وخاتمهم محمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) - جسّدوا العدل في أقوالهم وأفعالهم ، ولازمت آراؤهم وأفكارهم الحقّ الصريح ، وتمثّل في سلوكهم « الصراط المستقيم » الذي لا زيغ فيه ولا اعوجاج ؛ فهم الأولى بالحكم والسلطة في المجتمع البشري بحكم الفطرة السليمة والعقل القويم ، إضافة إلى ما دلّ عليه من نصوص الوحي الإلهي .
أمّا ما قامت به الجبابرة والطواغيت في تاريخ البشرية من دعوى التفويض الإلهي لهم حقّ السلطة والحكم ؛ فهو زور مكشوف ، وكذب مفضوح ، ولا حاجة في إظهار بطلانه وإثبات التزوير فيه إلى تكلّف الاستدلال ، وتجشّم عناء البرهنة عليه وإقامة الدليل . وقد حاول هؤلاء الطغاة أن يستغلّوا ثقة الناس بالأنبياء ، وما خلّفوه في قلوب الناس من مشاعر الطاعة والولاء ، فاغتصبوا الموقع الإلهي الذي تبوّأه الأنبياء برعاية إلهية ، واحتلّوا موقع الأنبياء زورا وبهتانا على الأنبياء وعلى اللّه ، وزعموا لأنفسهم حقّ الحكم والأمر والنهي ، فاستبدّوا وتجبّروا وسيطروا على أزمّة الحكم من غير سلطان من اللّه ، ولا إذن منه لهم بذلك .
كما أنّ من نافلة القول : التأكيد على أنّ ما قامت به الجبابرة والطغاة من الممارسات الظالمة ، والاستبداد الأسود ، تحت غطاء زائف من دعوى التفويض الإلهي ؛ لا علاقة له من بعيد أو قريب بحقيقة السلطة والولاية الإلهية العادلة التي فوّضها اللّه سبحانه وتعالى للكاملين من عباده الصالحين ، الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، أولئك الذين تمثّلت فيهم القيم الأخلاقية السامية بأعلى مراتبها ، وجسّدوا الحقّ والعدل والخلق الكريم في أقوالهم وأفعالهم ، وتفانوا في سبيل إسعاد البشرية ، وإقرار الحقّ والعدل بين الناس ، وضحّوا بأرواحهم ونفوسهم في سبيل نشر الفضيلة والخير
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 78
مساهمون: الشيخ محسن الأراكي
ص٧٨