ومعنى « الأولى » هو : الأحقّ ، ولا يدلّ هنا على التفضيل - كما قد يتوهّمه بعض من لا معرفة له بأساليب التعبير في اللغة العربية - ، بل إنّ هذا النوع من التعبير يفيد التأكيد على ثبوت حقّ الولاية للرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) على المؤمنين ، وسلب الاختيار عنهم في ما يقرّره الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) بشأنهم ، فمفاد هذه الآية كمفاد قوله تعالى :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
« 1 » .
ولعلّ هذا التعبير أصرح تعبير وأبلغه وأجمعه للدّلالة على صلاحيّة الرسول المطلقة في الحكم ، وإدارة شؤون الناس ، فإنّها صريحة في أن كلّ ما للناس من صلاحيّات التصرّف في أنفسهم وذواتهم ؛ فالرسول أولى بها منهم ، و « الأولوية » هنا ليست تثبت صلاحيّة الرسول في التصرّف في شؤون الناس وإدارة أمورهم مطلقا فحسب ؛ بل وتدلّ - بالإضافة إلى ذلك - على سلب الصلاحيّة عن المؤمنين في أن يخالفوا ما أراده الرسول في أيّ شأن من شؤونهم ، فإنّ « الأولوية بالمؤمنين من أنفسهم » الواردة في هذه الآية ؛ تؤكّد ما ورد التصريح به في آيات أخرى كالتي أشرنا إليها « 2 » .
الطائفة الرابعة :
ما دلّ على كون الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) مأمورا بالعدل بين النّاس :
كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) . سورة الأحزاب : 36 .
( 2 ) . من قوله تعالى :وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً . . .، وكقوله تعالى :وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ، وكقوله تعالى :فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وكقوله تعالى :وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وكقوله تعالى :إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، وغير ذلك من الآيات التي أشرنا أو سنشير إلى بعضها .