تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
إنّ في نظرية الشورى الإسلامية مقاييس للحقّ والعدل سابقة على الإنسان وعلى الشورى ، وإنّما يستعين المستشير بأهل الرأي والمشورة في تطبيق رأيه وقراره على معايير الصحة والعدل المفروغ عن ثبوتها قبل المشورة والرأي . فليست الشورى مصدرا لحقّانيّة الرأي وعدلانيّته ، بل هي الأداة التي يستعين بها صاحب القرار للكشف عن الرأي الصائب المطابق للمعايير القبلية للحقّ والعدل .

النقطة الثانية :

أنّ الديمقراطية لا ترى - ولا يمكنها أن ترى - نوعيّة الرأي ملاكا للحقّ والعدل ، بل هي مضطرّة إلى اتّخاذ الكميّة العددية ، أو أمور افتراضية أخرى شبيهة لها : ملاكا للترجيح وتعيين الأصوب من الآراء . وذلك لأنّ تحديد الملاك النوعي ملاكا للرجحان يعني : وجود مقاييس قبلية للصواب والرجحان ، يتحدّد على أساسها الرجحان النوعي لرأي أو لمجموعة من الآراء على الآراء الأخرى ، وهذا ممّا يناقض أساس الديمقراطية التي ترفض وجود معايير قبلية للصواب . أمّا الشورى فإنّها تتّخذ الملاك النوعي مقياسا للرجحان ، ولا تكون عملية الشورى إلّا عملية مخاض للآراء يقوم بها المستشير ، فيعرض الآراء بعضها على بعض ، ويعرضها جميعا على المعايير القبليّة للصواب والسداد ؛ ليختار منها أقربها للصواب . وبذلك تتميّز الشورى على الديمقراطية في أنّ ملاك الترجيح فيها هو الأصوبيّة ، أي : الملاك النوعي ، فقد يترجّح من الآراء رأي واحد وتهمل بقية الآراء ؛ وإن كانت راجحة بحسب الملاك الكمّي والكثرة العددية كما يحكي القرآن الكريم عن قصّة ملكة سبأ ، إذ قالت لرجال دولتها وقد اجتمعوا عندها للمشورة
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 403 | الشيخ محسن الأراكي