تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ . قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ . وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ
. « 1 » وكان رأيها أحصف الآراء وأقربها إلى الحكمة والتدبير ، وقد جنّبت - برأيها هذا - بلادها وشعبها الحرب والذّلة والدّمار ، مع أنّ المجتمعين عندها أجمعوا على خيار الحرب ، فالملاك النوعي هو مقياس الترجيح في الشورى لا الملاك العددي والكمّي . وأمّا الديمقراطية فملاك الترجيح فيها ليس نوعيّا ، ولا يمكن أن يكون نوعيا - كما وضّحنا - ، بل الملاك الوحيد فيها للترجيح هو المعيار الكمّي ، كالأكثرية وما يشبهه .

النقطة الثالثة :

أنّ الديمقراطية تعتمد على تنافس الآراء ، الذي لا ينتهي إلّا لصالح أحد الآراء المتنافسة ، وإلغاء الآخر أو الآخرين إلغاء مطلقا ، ولا يمكن للديمقراطية أن تسفر عن رأي جديد غير الآراء المتنافسة في حلبة الصراع . بينما نجد الشورى معتمدة على تلاقح الآراء وتناقشها ممّا يؤدّي إلى تكامل الآراء ، فقد تكون النتيجة التي تنتهي إليها الشورى رأيا جديدا يختلف عن كلّ الآراء المتناقش فيها ، ويزيد عليها كمالا ونضجا وقربا إلى الصواب . فعملية الشورى عملية تقريب للآراء إلى الصواب ، أمّا العملية الديمقراطية فهي عملية صراع وتنافس بين الآراء ، لا ينتهي إلّا إلى سحق المنافس وطرده وإلغائه .
هامش
( 1 ) . سورة النمل : 32 - 36 .
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 404 | الشيخ محسن الأراكي