وعلم أنّ المشورة سوف تكشف عن وجه المستحبّ أو المكروه - ؛ كانت المشورة فيه راجحة عقلا رجحانا طريقيا . وإذا كان استحباب أحدهما أو مكروهيته احتماليا ، واحتمل أن ينكشف له الأمر بالمشورة ؛ استحبّت له المشورة احتياطا لحسن الانقياد .
والأمر الذي يوجد فيه خياران مشتبهان : أحدهما حرام والآخر غير حرام ، أو أحدهما واجب والآخر غير واجب - وعلم صاحب الأمر أنّ المشورة سوف تكشف له عن الواجب فيأتي به أو الحرام فيتجنّبه - ؛ وجبت المشورة وجوبا طريقيا ؛ إن لم يمكنه الاحتياط ، بأن يأتي بهما معا ، أو يتركهما معا ، وإلّا وجبت المشورة وجوبا طريقيا مخيّرا بينها وبين الاحتياط .
ثمّ إنّ المشورة قد تجب وجوبا نفسيا - لا طريقيّا - بالعنوان الثانوي ، كما لو أصبحت مشورة الحاكم - أو غيره - في أمر ما مع المؤمنين ، أو مطلقا في ظرف من الظروف مصداقا من مصاديق : حفظ الدين ، أو العدل ، أو الأمر بالمعروف ، أو عنوان آخر من العناوين الواجبة ؛ بأن ترتّب ذلك العنوان على صرف المشورة ، بغضّ النظر عن النتيجة التي تسفر عنها المشورة ؛ فالمشورة هنا تكون واجبة وجوبا نفسيا بالعنوان الثانوي .
ولو أصبحت مشورة الحاكم - بما هي مشورة - في أمر ما مع الآخرين - فردا أو جماعة من مسلمين أو غير مسلمين - مقدّمة وجودية لدفع ظلم ، أو لتحقيق حقّ واجب ، أو إقامة عدل ؛ وجبت المشورة حينئذ وجوبا مقدّميا .
وكذا لو أصبحت المشورة - بنفسها - مقدّمة وجودية لأمر مستحبّ ؛ أصبحت المشورة مستحبّا مقدّميا ، وهو واضح .
وللّه الحمد ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .
نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 406
مساهمون: الشيخ محسن الأراكي
ص٤٠٦