لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ، واعلم يا معاوية أنّك من الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة ، ولا تعقد معهم الإمامة ، ولا تعرض فيهم الشورى . « 1 »
نجد في هذا النصّ قول أمير المؤمنين عليه السلام : « وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل منهم فسمّوه إماما كان ذلك للّه رضى » . والذي يبدو للنظر للوهلة الأولى من هذا النصّ أنّه سلام اللّه عليه يقرّ للشورى - شورى المهاجرين والأنصار - أن تكون مصدرا لشرعية من تختاره الشورى للحكم ، وبهذا يكون هذا النصّ قد أقرّ شرعية الشورى السابقة على الحكم ، أي : الشورى التي منها يستمدّ الحاكم شرعيته ونفوذ حكمه .
غير أنّ التأمل في هذا النصّ - وفي غيره من النصوص والقرائن التي تكتنفه - :
يهدي إلى أنّ هذا الكلام قد جرى مجرى الاستدلال الجدلي الذي يؤخذ فيه الخصم بما يلتزم به أو يزعمه « 2 » ، فيكون ذلك أبلغ في إلجامه وإلزامه ، وقطع الحجّة عليه وإعذاره ،
هامش
( 1 ) . الإمامة والسياسة : 113 - 114 .
( 2 ) . وفي القرآن الكريم نماذج من هذا النوع من الاستدلال الجدلي حكاه اللّه سبحانه وتعالى عن لسان أنبيائه العظام ، فقد حكى عن لسان إبراهيم على نبيّنا وآله وعليه السلام مرة أنه قال لقومه حين قالوا له :أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ[ الأنبياء : 62 - 63 ] ، وحكى سبحانه تعالى - أيضا - عن لسان إبراهيم في جدال كلامي مع قومه :فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[ الأنعام : 76 - 78 ] ، وحكى اللّه سبحانه تعالى - أيضا - عن يوسف على نبيّنا وآله وعليه السلام :فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ- أي إخوته -بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ- إلى أن يقول تعالى : -قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ . قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ- إلى أن يقول تعالى : -قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ[ يوسف : 70 و 74 - 75 ، و 78 - 79 ] .