ورابعا :
ومن أغرب ما في هذه الشورى - ولعلّها من هذه الناحية عديمة النظير في ما سبقها أو لحقها من المؤتمرات ومجالس الشورى - أنّ الخليفة الثاني حكم بسخاء بهدر دم من اختلف في الرأي منهم مع الآخرين ، مع العلم أنّهم جميعا - حسب تصريح الخليفة الثاني نفسه - : قد توفّي رسول اللّه وهو عنهم راض ! ! انظر إلى النصّ التاريخي الذي يحكي وصيّة عمر بشأن أصحاب الشورى : « إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد ؛ فاضربوا عنقه ، وإن استقام أربعة واختلف اثنان ؛ فاضربوا أعناقهما ، وإن استقرّ ثلاثة واختلف ثلاثة ؛ فاحتكموا إلى ابني عبد اللّه ، فلأيّ الثلاثة قضى ؛ فالخليفة منهم وفيهم » . وفي نصّ الطبري وابن الأثير : « فإن لم يرغبوا بحكم عبد اللّه بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم » . إنّه لقرار مخوف حقّا ، يسلب الآخرين حرّية الرأي بوضوح ، ومن نتائج هذا القرار أنّ ثلاثة من هؤلاء - فيهم : عبد الرحمن بن عوف - : لو اتّفقوا على خلافة أحدهم ، وخالفهم الثلاثة الآخرون - مع جميع من عداهم من المسلمين - ؛ فإنّ الثلاثة الأولى لهم الحقّ أن يصغوا سيوفهم في رقاب هؤلاء المخالفين فلا ترتوي من دمائهم حتّى يستسلموا لخلافة من اختاره أولئك الثلاثة .
إنّ الذي نجده من سماحة القرآن وسماحة الرسول الأعظم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) - بل ونصوص القرآن الصريحة - : على تناقض واضح مع هذه الطريقة ، فقد صرّح القرآن الكريم في مواضع عديدة بأنّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) - وهو النبيّ المعصوم المسدّد من اللّه - لا سلطة له على رقاب الناس ليجبرهم على طاعته فكيف بخلفائه ؟ !