تأمّلات في شورى الستّة
وهنالك نقاط كثيرة جديرة بالتوقّف والتأمّل في الشورى التي عيّنها عمر بصيغتها التي ترويها الروايات التاريخية الآنفة الذكر ، ومن أهمّ هذه النقاط ما يلي :
أوّلا :
إنّ هذه الشورى لم تكن شورى لتعيين الخليفة من بين عامّة المسلمين ، بل إنّها صيغة من صيغ التعيين والاستخلاف ، مارسها الخليفة الثاني ، فإنّه استخلف على المسلمين واحدا من الستّة أصحاب الشورى ، وإنّما كلّفهم أن يختاروا واحدا منهم ، فكانت المهمّة المخوّلة لهذه الشورى هي انتخاب واحد من الستّة الذين استخلفهم الخليفة الثاني ، وهذا هو الّذي نجده - بوضوح وصراحة - من خلال ما عبّر به الخليفة الثاني عن العملية التي قام بها ، إذ قال - حسب رواية ابن قتيبة - : « ولكنّي سأستخلف النفر الذين توفّي رسول اللّه ؛ وهو عنهم راض . . . » إلى آخر الرواية .
والذي يؤكّد كون العملية التي قام بها عمر عملية استخلاف ، ولم تكن عملية استشارة ، أو تخويل للشورى ؛ لكي تستشير فيما بينها فتختار الأصلح من بين المسلمين بحسب رأيها للخلافة - ، ممّا يؤكّد ذلك تأكيد عمر على حضور بعض آخر غير الستّة مع الشورى - من غير أن يكون لها نصيب في الخلافة - إذ قال بشأن الأنصار : والحسن بن عليّ ، وعبد اللّه بن عبّاس ، وعبد اللّه بن عمر : ليس لهم من الأمر شيء .
وبذلك كانت الصيغة التي اختارها عمر للاستخلاف جامعة لمساوئ التعيين واللّاتعيين معا ، بدلا أن تجمع محاسنهما أو محاسن أحدهما على الأقلّ ! ! فهي من جهة لم تحسم الخلاف بتعيين شخص واحد ، كما صنعه أبو بكر - على أقلّ التقادير - ، ومن جهة أخرى لم تترك الأمر إلى المسلمين ليختاروا بأنفسهم الأصلح للخلافة بين