فتكون الآية دالّة على اشتراط الكفاءة في الحاكم زائدا على ما دلّت على اشتراطه فيه سائر الأدلّة العقلية والشرعية .
3 - وممّا يدلّ من الكتاب على اشتراط « الكفاءة » في القائد العامّ ووليّ الأمر : كلّ ما دلّ من نصوص الكتاب على اشتراط « العلم » فيه ، فإنّ استقراء معنى كلمة « العلم » في استعمالاتها في القرآن الكريم يدلّنا على أنّ المقصود بالعلم : ليس مجرّد التوفّر على المعلومات النظريّة ؛ بل يدلّ زائدا على ذلك : على المعرفة العملية ، بمعنى القدرة على حسن التصرّف والعمل وفقا لموازين الشرع والعقل ، وحسن التصرّف والعمل في أمر القيادة والحكم هو المقصود في الواقع من الكفاءة التي نبحث عنها هنا .
وممّا يدلّ على ما ندّعيه من مفهوم « العلم » في استعمالاته القرآنية :
( أ ) - قوله تعالى - حكاية عن النبي يوسف على نبيّنا وآله وعليه السلام ، بعد أن خاطبه ملك مصر قائلا له :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
« 1 » ، قال عليه السلام - :
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
« 2 » .
أي : عليم بفنون الإدارة ، متمكّن من تدبير أمر الخزائن على الوجه المطلوب . قال في « مجمع البيان » في تفسير كلمة
عَلِيمٌ
: « أي : عليم بمن يستحقّ منها شيئا ومن لا يستحقّ ؛ فأضعها مواضعها » « 3 » . فليس المراد ب « العلم » هنا : مجرّد العلم بالأحكام الإلهية التي كانت توحى إليه من اللّه سبحانه وتعالى ، فإنّ الملك لم يكن مؤمنا باللّه سبحانه وتعالى ولا بنبوّة يوسف ، فلا وجه لذكره العلم بالأحكام الإلهية علّة لجعل الملك إياه على خزائن الأرض . فإنّ قوله
حَفِيظٌ عَلِيمٌ
: بيان للعلّة التي جعلته أهلا لكي
هامش
( 1 ) . سورة يوسف : 54 .
( 2 ) . سورة يوسف : 55 .
( 3 ) . مجمع البيان 5 : 371 ، ط دار المعرفة - بيروت .