تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية الحكم في الإسلام — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ثمّ إنّ القوّامية بالقسط لا تعني مجرّد القسط والعدل في العمل والتنفيذ ؛ بل تعني : رسوخ العدل في النفس إلى درجة الاتّصاف بملكة العدل ، وهي التي يجب على كلّ مؤمن أن يتّصف بها ، وعلى وليّ الأمر من المؤمنين بالطريق الأولى ، فإنّ صفة المبالغة في القيام بالقسط لا تنفكّ عن ملكة العدالة ، فهي تختلف عن مجرّد القيام بالقسط ، فقد يعدل الفاسق ويقوم بالقسط ، لكنّه لا يكون « قوّاما بالقسط » إلّا إذا اتّصف بملكة العدل ، وأصبح العدل صفة راسخة في شخصيّته لا تنفكّ عنها ، وهو المراد ب‍ « ملكة العدل » - كما وضّحنا سابقا - . ثمّ إنّ الآية لمّا دلّت على وجوب أن يكون المؤمنون - جميعا - قوّامين بالقسط ؛ دلّت بالالتزام العرفي على أنّ غير القوّام بالقسط لا يستحقّ أن يتقدّم على سائر المؤمنين بالولاية عليهم والإمامة لهم في منطق هذا التشريع الذي يجعل القوّامية بالقسط واجبا على جميع أفراد المجتمع ، ويرى العرف تناقضا يأباه الوجدان العرفي بين وجوب أن يكون جميع أفراد المجتمع قوّامين بالقسط ، وبين جواز أن يكون الحاكم عليهم والمتولّي أمورهم غير قوّام بالقسط . « 1 » ويدلّ أيضا على وجوب اتصاف الحاكم والأمير بالعدالة قوله تعالى : 2 -
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
. « 2 » فإنّ المقصود ب‍ « الميزان » : ملكة العصمة التي تعني أرقى درجات العدالة ، ولقد ثبت في ما سبق أنّ ولاية الأمر ، إنّما هي في الأساس منزلة النبيّين ، وهي في عصر النبوّة الخاتمة منزلة مختصّة بالنبيّ الأكرم وخلفائه المعصومين سلام اللّه عليهم وصلاته الذين أذهب اللّه
هامش
( 1 ) . وبعبارة فنّية : إنّ وجوب كون المؤمنين - جميعا - قوّامين بالقسط يوجب صرف إطلاق أدلّة النصب مطلقا عن شمول غير القوّام بالقسط ، وتقيّد إطلاقها ، فيكون وجوب القوّامية بالقسط على الحاكم وجوبا تكليفيا ووضعيا معا . ( 2 ) . سورة الحديد : 25 .